حضرموت… ليست جائزة حرب بل ركيزة أمن الجزيرة العربية
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
3 يوليو 2026
كلما اشتدت الأزمات، عاد البعض ينظر إلى حضرموت بوصفها غنيمة سياسية، أو ساحة نفوذ، أو مخزنًا للثروات، بينما يغيب عنهم أنها أكبر من أن تُختزل في صراع، وأعمق من أن تُدار بعقلية المحاصصة، وأهم من أن تكون ورقة تفاوض بين القوى المتنافسة.
إن حضرموت ليست إرثًا لحزب، ولا امتدادًا لمشروع أيديولوجي، ولا مكسبًا عسكريًا لهذا الطرف أو ذاك، بل هي وطن له هويته وتاريخه وخصوصيته، وأبناؤه هم الأقدر على إدارة شؤونه، وحماية أمنه، واستثمار موارده، وصناعة مستقبله.
لقد أثبتت العقود الماضية أن استيراد القيادات، وفرض الوصاية، وتعدد مراكز القرار، لم ينتج إلا مؤسسات ضعيفة، وأمنًا هشًا، وتنمية مؤجلة، واستنزافًا للثروات. أما الإنسان الحضرمي، فقد أثبت داخل المملكة العربية السعودية ودول الخليج والعالم أنه متى ما أُتيحت له الفرصة، صنع النجاح، وأدار المؤسسات، وأسهم في الاقتصاد والعلم والإدارة بأعلى درجات الكفاءة والانضباط.
فلماذا ينجح الحضرمي في كل مكان، ويُحرم من قيادة وطنه؟
إن الجواب ليس في نقص الكفاءات، وإنما في غياب الإرادة التي تعطي أهل الأرض حقهم الطبيعي في إدارة أرضهم. ولذلك فإن البداية الحقيقية لأي مشروع نهضوي يجب أن تنطلق من تمكين الكفاءات الحضرمية، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت قيادة حضرمية محترفة، وإبعاد كل القوى غير المحلية عن المشهد الأمني، حتى تصبح المؤسسة الأمنية مؤسسة وطنية، لا ساحةً لتعدد الولاءات.
وحين يتحقق الأمن، تبدأ عجلة التنمية بالدوران. فحضرموت لا ينقصها المال، ولا الموقع، ولا الموارد، ولا العقول، بل ينقصها القرار الرشيد والإدارة الكفؤة. فهي تمتلك شريطًا ساحليًا استراتيجيًا، وثروات طبيعية ضخمة، وموانئ واعدة، وموارد بشرية منتشرة في أنحاء العالم، تستطيع أن تجعل منها أحد أهم المراكز الاقتصادية في المنطقة إذا أُحسن توظيف هذه الإمكانات.
ومن هنا، فإن حضرموت تعوّل على دار الحزم والعزم، المملكة العربية السعودية، التي أثبتت أن أمنها لا ينفصل عن أمن جوارها، وأن التنمية المستدامة هي السلاح الأقوى في مواجهة الفوضى. فالمملكة، بقيادتها الحكيمة ورؤيتها الطموحة، تمتلك القدرة والخبرة والإرادة لدعم مشروع وطني يقوم على بناء الإنسان والمؤسسات، وتمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤونهم، وتحويل هذه الأرض إلى نموذج في الأمن والاستقرار والتنمية.
إن ما تحتاجه حضرموت ليس شعارات جديدة، بل شراكة استراتيجية مع من يؤمن ببناء الدول لا بإدارة الأزمات، وبصناعة المستقبل لا بإطالة عمر الصراعات. فالمشاريع العابرة تزول، أما المؤسسات الراسخة فتبقى، والأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها العدل، والكفاءة، وسيادة القانون، وثقة المواطن في مؤسساته.
إن التاريخ يكتب اليوم صفحة جديدة، وستُسجل فيه مواقف الرجال والدول. وستبقى المملكة العربية السعودية، بإذن الله، ركيزة للاستقرار الإقليمي، ودارًا للحزم والعزم، وحليفًا لكل مشروع يسعى إلى الأمن والتنمية والازدهار.
أما حضرموت، فإنها لن تكون يومًا عبئًا على محيطها، بل ستكون ـ متى ما أُعطيت الفرصة ـ بوابةً للاقتصاد، وجسرًا للاستثمار، ومنارةً للعلم، ونموذجًا في الإدارة الرشيدة، كما كانت عبر تاريخها الطويل.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






