اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت نحوالهوية والسيادة وتقرير المصير

حضرموت نحوالهوية والسيادة وتقرير المصير

بقلم | المحامي صالح باحتيلي النعماني

في المراحل التاريخية المفصلية، لا تُقاس قيمة الأمم بما تمتلكه من ثروات فحسب، وإنما بقدرة نخبها على تحمل مسؤولية التغيير عندما تعجز الظروف عن تمكين عامة الناس من القيام بهذا الدور. ومن هذا المنطلق، تبدو حضرموت اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب حضوراً فاعلاً للنخب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، من أجل قيادة مشروع يستند إلى استعادة الهوية الحضرمية، وترسيخ السيادة، وتمكين أبناء حضرموت من تقرير مستقبلهم عبر الوسائل السياسية والسلمية.
لقد أفرزت السنوات الماضية وعياً متزايداً لدى قطاعات واسعة من الحضارم بأن مستقبل حضرموت ينبغي أن يُبنى وفق رؤية تنطلق من مصالحها وهويتها الخاصة، بعيداً عن التجاذبات التي هيمنت على المشهد اليمني لعقود. وفي هذا السياق، تتقدم النخب الحضرمية بخطوات ثابتة نحو بلورة مشروع سياسي واجتماعي يهدف إلى تعزيز حضور حضرموت كفاعل رئيسي في رسم مستقبلها.
غير أن هذا المشروع لا يمكن أن يقوم على تحميل الفئات الأكثر ضعفاً أعباءً إضافية. فالمواطن الذي يواجه يومياً صعوبة في تأمين لقمة العيش، ويكابد آثار الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، يخوض في الواقع معركة لا تقل قسوة عن أي معركة أخرى. إن الانشغال بتوفير متطلبات الحياة الأساسية يمثل شكلاً من أشكال الصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية، ولذلك فإن مطالبة هذه الفئات بتحمل أعباء العمل السياسي أو الثوري قد لا تكون منصفة في ظل ما تعيشه من معاناة الا اذا رغبت في ذلك.
ومن هنا، تبرز المسؤولية التاريخية للنخب الحضرمية؛ من الأكاديميين والمثقفين ورجال الأعمال والشخصيات الاجتماعية المؤثرة والقيادات العسكرية، بوصفهم الفئة الأكثر قدرة على التنظيم والتخطيط وتوفير الإمكانات اللازمة لقيادة مرحلة التغيير. فهذه النخب تمتلك من الخبرة والمعرفة والموارد ما يؤهلها لتحمل مسؤولية الدفاع عن الحقوق السياسية، والعمل على بناء مشروع وطني حضرمي يسعى إلى تحسين حياة الناس، وحماية مصالحهم، ورسم مستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
ولا يقتصر هذا الدور على الجانب السياسي وحده، بل يشمل أيضاً بناء مؤسسات قوية عبر المشاركون في السلطة، وترسيخ ثقافة القانون، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وإدارة الموارد بما ينعكس على حياة المواطنين بصورة مباشرة. فنجاح أي مشروع سياسي يقاس بقدرته على تحسين الواقع المعيشي للناس، وليس بمجرد رفع الشعارات.
وتزداد أهمية هذا المشروع إذا ما استُحضرت المقومات التي تمتلكها حضرموت. فهي أرض غنية بالموارد الطبيعية من النفط والمعادن، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وتحمل إرثاً حضارياً وثقافياً عريقاً، فضلاً عن الامتداد العالمي لأبنائها الذين أسهموا عبر قرون في التجارة والعلم والدعوة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. وهذه المقومات تمنح حضرموت فرصاً كبيرة لبناء مستقبل قائم على التنمية والاستقرار إذا ما أُحسن استثمارها وإدارتها.
إن استعادة الهوية الحضرمية، وفق هذه الرؤية، لا تعني الانغلاق أو القطيعة مع الآخرين، وإنما تعني بناء علاقة جديدة تقوم على احترام إرادة أبناء حضرموت وحقهم في المشاركة في رسم مستقبلهم، مع الالتزام بالوسائل السلمية والحوار السياسي باعتبارهما الطريق الأمثل لتحقيق الاستقرار وتجنب مزيد من الصراعات.

واليوم، تبدو الرسالة الموجهة إلى النخب الحضرمية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن مسؤولية قيادة المرحلة تقع على عاتقكم، ليس من أجل تحقيق مكاسب لفئة بعينها، بل من أجل بناء مستقبل يليق بحضرموت وأبنائها، ويحفظ هويتها، ويصون كرامتها، ويوظف ثرواتها لصالح الإنسان الحضرمي أولاً.

فالشعوب التي تؤمن بقدراتها، وتتحرر من قيود التبعية، وتستثمر ثرواتها وعقول أبنائها، هي الشعوب القادرة على صناعة مستقبلها بنفسها. وحضرموت، بما تمتلكه من تاريخ وإمكانات وطاقات بشرية، تملك من المقومات ما يؤهلها لأن ترسم طريقها نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، إذا ما توحدت الإرادة، وحملت النخب مسؤوليتها التاريخية في قيادة هذه المرحلة.

المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع أمام المحكمة العليا

إغلاق