حين تتحول الخضروات إلى سموم صامتة
بقلم / عبدالله حسن قاسم
الجمعة 26 يونيو 2026
لم يكن يدرك ناجي وهو يشتري “الباميا” أنها ستكلفه وأسرته ثمناً باهظاً. دفع ثمن الكيلو وهو يبتسم، وحمله إلى منزله وفي نفسه فرحة بسيطة: “سنتناول وجبة لذيذة اليوم”. لكن الوجبة التي انتظرها بشهية انتهت في قسم الطوارئ، بعدما ظهرت أعراض التسمم على أفراد أسرته واحداً تلو الآخر.
في أحيان كثيرة لا نعاقَب على أخطائنا، بل على أخطاء من هم حولنا. ندفع ثمن زلاتهم كما لو كانت زلاتنا، وهذا تماماً ما يحدث حين يستهين بعض المزارعين باستخدام المبيدات الزراعية، أو يتجاهلون التعليمات الخاصة بها، أو يقطفون المحاصيل قبل انتهاء المدة الآمنة التي تسمح بتلاشي آثار المواد الكيميائية.
فالمبيدات، رغم أهميتها في مكافحة الآفات الزراعية، تتحول إلى خطر حقيقي عندما تُستخدم بجهل أو طمع أو إهمال. إذ يلجأ بعض المزارعين إلى الإفراط في رش المحاصيل اعتقاداً منهم أن الكميات الأكبر تمنح حماية أفضل، بينما يسارع آخرون إلى تسويق منتجاتهم قبل الموعد المحدد لتحقيق أرباح سريعة، غير مدركين أن ما يبيعونه قد يحمل في طياته جرعات خفية من السموم.
وتكشف التقارير الصحية في كثير من البلدان عن تسجيل حالات تسمم مرتبطة ببقايا المبيدات على الخضروات والفواكه، تتفاوت أعراضها بين الغثيان والقيء وآلام البطن والدوار، وقد تصل في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياة الأطفال وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
ولا تقع المسؤولية على المزارع وحده، بل تمتد إلى الجهات الرقابية والإرشادية التي يفترض أن تتابع استخدام المبيدات، وتوفر التوعية الكافية للمزارعين، وتكثف الفحوصات على المنتجات الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق. فسلامة الغذاء ليست مسؤولية فرد، بل مسؤولية مجتمع كامل.
إن لقمة العيش التي تصل إلى موائدنا يجب أن تكون مصدراً للصحة لا سبباً للمرض. وبين الحقل والسوق رحلة طويلة من الأمانة والوعي والرقابة، وأي خلل في أحد حلقاتها قد يحول وجبة عادية إلى مأساة لم يكن أحد يتوقعها.






