تفشي الفساد وآثاره الكارثية على الدولة والمجتمع
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : ليلى بن بريك
24 يونيو 2026
تعد ظاهرة الفساد من أخطر الظواهر التي تصيب الدول والمجتمعات، لما تتركه من آثار مدمرة لا تقتصر على الجانب المالي أو الإداري فحسب، بل تمتد لتطال مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية.
فالفساد يؤدي إلى هدر المال العام واستنزاف موارد الدولة، ويُفقد المؤسسات قدرتها على أداء وظائفها بكفاءة وعدالة، كما يعرقل مشاريع التنمية ويؤدي إلى سوء توزيع الثروات والخدمات. وعندما تصبح الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ وسائل للحصول على المنافع والمكاسب، تتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق لتحل محلها علاقات المصالح والولاءات الشخصية، فتضعف مؤسسات الدولة وتتراجع ثقة المواطنين بها.
ولذلك فإن مكافحة الفساد ليست مجرد إجراء إداري أو حملة إعلامية عابرة، بل هي مسؤولية وطنية شاملة تتطلب وجود تشريعات فعالة، وأجهزة رقابية مستقلة، وقضاءً نزيهاً، وإعلاماً حراً، ومجتمعاً واعياً يرفض الفساد بكل أشكاله وصوره
ومن الناحية القانونية، تتم معالجة الفساد من خلال نوعين من المسؤولية: المسؤولية المسلكية والمسؤولية الجزائية، وبينهما فرق جوهري، إذ إن لكل منهما طبيعة قانونية مختلفة وغاية مستقلة عن الأخرى.
فالعقوبات التي تفرض في الذي يسلكه على الموظف العام الذي يثبت إخلاله بواجبات وظيفته أو ارتكابه أفعالاً تمس نزاهة المرفق العام، وقد تمتد آثارها إلى ملاحقة الأموال والممتلكات التي يشتبه بأنها نتجت عن أفعال الفساد أو تحققت بواسطتها. ومن صور هذه الإجراءات كف يد الموظف عن العمل، أو إيقافه مؤقتاً، أو الحجز الاحتياطي على أمواله المنقولة وغير المنقولة. وهي تدابير إدارية ذات طابع وقائي تهدف إلى حماية المرفق العام ومنع استمرار الضرر أو العبث بالأدلة أو تهريب الأموال.
غير أن هذه الإجراءات، مهما بلغت أهميتها، لا تشكل بحد ذاتها محاسبة جزائية مكتملة، ولا يمكن اعتبارها بديلاً عن الملاحقة القضائية عندما تكون الأفعال المنسوبة إلى الموظف تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، كالاختلاس، أو الرشوة، أو استثمار الوظيفة العامة لتحقيق منفعة شخصية، أو الإضرار بالمال العام، أو إساءة استعمال السلطة.
فالاكتفاء بالحجز على الأموال أو كف يد الموظف الفاسد او منع سفره دون إحالته إلى القضاء المختص يعد إجراءً ناقصاً، لأن مكافحة الفساد لا تكتمل إلا من خلال محاسبة قضائية عادلة وشفافة تتضمن التحقيق والمحاكمة وإصدار الأحكام القانونية المناسبة، إضافة إلى استرداد الأموال العامة ومساءلة كل من يثبت تورطه أو استفادته من عائدات الفساد، وفقاً لأحكام القانون.
من هنا فإن العدالة تقتضي ألا تكون مكافحة الفساد انتقائية أو موسمية أو مرتبطة بظروف سياسية معينة، بل أن تتحول إلى نهج دائم يقوم على مبدأ واضح لا لبس فيه لا أحد فوق القانون، ولا حصانة لفاسد، ولا يجوز أن تتحول السلطة أو النفوذ أو الموقع الوظيفي إلى وسيلة للإفلات من المساءلةويبقى الأخطر من كل ذلك أن يسمح للفاسد – سواء كان موظفاً عاماً أو غير ذلك – بالإفلات من المساءلة، فلا بحاسب ، ولا يلاحق جزائياً. فمثل هذا الأمر لا يقتصر أثره على ضياع الحقوق العامة والخاصة فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وتقويض الثقة بمؤسسات الدولة، وإيصال رسالة خطيرة مفادها أن الفساد يمكن أن يمرّ دون حساب على قاعدة «من أمن العقاب أساء الأدب».
فكل فاسد ينجو من المحاسبة يشجع غيره على سلوك الطريق ذاته، وكل جريمة فساد تمر دون عقاب تفتح الباب أمام جرائم أخرى أشد خطورة وأكثر اتساعاً. وهكذا يتحول الفساد من سلوك فردي منحرف إلى ظاهرة عامة، ومن استثناء يجب معالجته إلى قاعدة تهدد كيان الدولة ومؤسساتها وتضرب أسس المجتمع في جذورها.
وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تلاحق الشريف وتغض الطرف عن الفاسد، أو تعاقب الضعيف وتترك صاحب النفوذ بمنأى عن المساءلة، فإن الثقة بالقانون تتآكل، وتتراجع هيبة المؤسسات، ويصبح الالتزام بالقواعد العامة عبئاً على الملتزمين وحدهم، بينما تتحول المخالفة والفساد إلى وسيلة لتحقيق المكاسب.
فالفساد ليس مجرد اعتداء على المال العام، بل هو اعتداء على العدالة والتنمية وحقوق المواطنين ومستقبل الأجيال، ومواجهته لا تكون إلا بسيادة القانون وترسيخ مبدأ المساءلة والمحاسبة، والدولة التي تعجز عن محاسبة الفاسدين تفتح الباب أمام استمرار الفساد وتكريسه جيلاً بعد جيل.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






