اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ثلاثون عامًا على افتتاح دار المصطفى: قراءة في بناء الإنسان وصناعة المعرفة ودور المؤسسات الدينية في التحول الحضاري والتنمية المجتمعية

ثلاثون عامًا على افتتاح دار المصطفى: قراءة في بناء الإنسان وصناعة المعرفة ودور المؤسسات الدينية في التحول الحضاري والتنمية المجتمعية

تاربة ـ اليوم /كتابات واراء

بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ

17 يونيو 2026م

إن مرور ثلاثة عقود على افتتاح دار المصطفى للدراسات الإسلامية يمثل مناسبة علمية وثقافية تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي إلى فضاء أوسع يرتبط بتقييم تجربة مؤسسية امتدت آثارها إلى مجالات التعليم والدعوة والتنمية الاجتماعية وبناء رأس المال البشري. فالمؤسسات العلمية الكبرى لا تُقاس بأعمار مبانيها، وإنما بما تنتجه من معرفة وما تتركه من أثر في الإنسان والمجتمع والدولة.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، بل تحتاج إلى منظومات معرفية وأخلاقية وثقافية قادرة على إنتاج الإنسان المؤهل للمشاركة في صناعة الحضارة. ومن هذا المنطلق جاءت المؤسسات التعليمية والدينية عبر التاريخ العربي الإسلامي لتؤدي دورًا يتجاوز التعليم التقليدي نحو صناعة الشخصية المتوازنة القادرة على التفاعل مع الواقع ومتغيراته.
وتكتسب دار المصطفى أهميتها من كونها نشأت في حضرموت، تلك المنطقة التي شكلت عبر قرون طويلة إحدى أهم الحواضن العلمية والثقافية في العالم العربي الإسلامي. فقد عُرفت حضرموت تاريخيًا بأنها مركز لإنتاج العلماء والدعاة والتجار الذين أسهموا في نشر الإسلام والثقافة العربية في آسيا وأفريقيا وأجزاء واسعة من العالم.
ولا يمكن فهم تجربة دار المصطفى بمعزل عن الإرث الحضاري الحضرمي الذي تأسس على الجمع بين العلم والعمل والدعوة والأخلاق والتجارة والانفتاح على الشعوب والثقافات المختلفة. فهذه الخصائص شكلت البيئة التي سمحت بظهور مؤسسات علمية ذات تأثير عابر للحدود.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي فإن المؤسسات التعليمية والدينية الناجحة تؤدي وظيفة استراتيجية تتمثل في تعزيز التماسك الاجتماعي وتكوين منظومات القيم المشتركة داخل المجتمع. وهذه الوظيفة تصبح أكثر أهمية في البيئات التي تواجه تحديات ناجمة عن التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية المتسارعة.
لقد شهد العالم خلال العقود الثلاثة الماضية تغيرات عميقة تمثلت في العولمة والثورة الرقمية وتصاعد الصراعات الفكرية والهوياتية، الأمر الذي جعل المؤسسات التعليمية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على الحفاظ على الأصالة والتفاعل مع الحداثة في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق تبرز أهمية المؤسسات التي تسعى إلى بناء الإنسان قبل بناء الخطاب، لأن جوهر التنمية الحقيقية يبدأ من الإنسان باعتباره الفاعل الأساسي في عمليات التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ومن الناحية الفكرية فإن نجاح أي مؤسسة علمية يُقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطويرها لا مجرد نقلها. فالعِلم ليس عملية حفظ للموروث فحسب، بل هو أيضًا عملية فهم وتحليل وتجديد واستجابة لمتطلبات الواقع.
كما أن المؤسسات التعليمية المعاصرة مطالبة بالانتقال من التعليم التلقيني إلى التعليم التحليلي الذي ينمي التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات والتعامل مع التعقيدات المتزايدة التي يفرضها العصر الحديث.
وتشير الأدبيات الحديثة في العلوم السياسية إلى أن الاستقرار المستدام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود مؤسسات وسيطة قادرة على بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وتعد المؤسسات التعليمية والدينية من أهم هذه المؤسسات عندما تؤدي أدوارها في إطار الاعتدال والوسطية والمسؤولية المجتمعية.
ومن الزاوية الاقتصادية فإن الاستثمار في التعليم يمثل أحد أكثر أنواع الاستثمار مردودية على المدى الطويل، لأن رأس المال البشري أصبح اليوم المورد الأكثر أهمية في الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة.
ولهذا فإن المؤسسات العلمية التي تنجح في إعداد الكفاءات البشرية تُسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين مستويات الإنتاجية ورفع جودة الحياة.
كما أن التعليم الديني الرشيد لا يتعارض مع التنمية الحديثة، بل يمكن أن يشكل رافعة أخلاقية وثقافية لها عندما يغرس قيم العمل والإتقان والانضباط والمسؤولية الاجتماعية.
ومن منظور العلاقات الدولية فإن المؤسسات العلمية ذات الامتداد العالمي تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز القوة الناعمة للمجتمعات والدول. فالتأثير الثقافي والمعرفي أصبح أحد أهم أدوات الحضور الدولي في القرن الحادي والعشرين.
وفي عصر تتزايد فيه أهمية الدبلوماسية الثقافية والتعليمية، أصبحت المؤسسات العلمية إحدى القنوات الفاعلة لبناء جسور التفاهم بين الشعوب وتعزيز الحوار بين الثقافات، بما يُسهم في ترسيخ قيم التعايش والتواصل الحضاري. كما تمثل هذه المؤسسات أدوات غير مباشرة لتعزيز الحضور الدولي للمجتمعات والدول من خلال ما تقدمه من إسهامات معرفية وثقافية وإنسانية تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
وقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن الجامعات والمعاهد والمؤسسات الثقافية أصبحت أدوات استراتيجية في بناء الصورة الذهنية وتعزيز النفوذ المعرفي والحضاري على المستوى العالمي.
وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى المؤسسات العلمية الحضرمية بوصفها جزءًا من الرصيد التاريخي للقوة الناعمة اليمنية والعربية والإسلامية.
كما أن حركة الطلاب الوافدين من مختلف البلدان تمثل أحد المؤشرات المهمة على المكانة العلمية للمؤسسة وقدرتها على بناء شبكات معرفية وثقافية عابرة للحدود.
ومن المؤشرات المهمة في تقييم المؤسسات العلمية المعاصرة قدرتها على بناء شبكات تعليمية ومعرفية ممتدة تتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة. فالأثر الحقيقي للمؤسسة لا يُقاس فقط بما يجري داخل قاعاتها الدراسية، وإنما بما تنتجه من خريجين وكفاءات علمية وبرامج تعليمية وشبكات تواصل معرفية تمتد آثارها إلى مجتمعات متعددة. ويُعد هذا الامتداد أحد المعايير الحديثة لقياس التأثير المؤسسي والاستدامة الحضارية للمؤسسات التعليمية، لما يعكسه من قدرة على تحويل المعرفة إلى أثر اجتماعي وثقافي مستدام.
ومن الناحية الحضارية فإن التفاعل بين الثقافات لا يعني الذوبان أو فقدان الهوية، وإنما يعني القدرة على تقديم الذات الحضارية بصورة إيجابية ومنفتحة وقادرة على الحوار.
ويؤكد التاريخ أن الحضارات الكبرى لم تزدهر بالعزلة، بل ازدهرت بالحوار والتبادل والتفاعل مع الآخرين مع الحفاظ على ثوابتها الأساسية.
ومن هنا فإن أي مؤسسة تعليمية معاصرة مطالبة بالجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية والتجديد، وبين الثبات والتطور.
كما أن بناء الإنسان المتوازن فكريًا وأخلاقيًا يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة في ظل الانفجار المعرفي والتدفق الهائل للمعلومات.
لقد أصبح العالم اليوم بحاجة إلى مؤسسات تنتج الحكمة بقدر ما تنتج المعرفة، لأن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وجود الوعي.
ومن هذا المنطلق تتجلى أهمية التربية القائمة على بناء الشخصية والضمير والقيم إلى جانب بناء المهارات والمعارف.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المجتمعات الأكثر استقرارًا هي تلك التي تمتلك مؤسسات تعليمية قادرة على تعزيز ثقافة الاعتدال والتسامح والتعايش واحترام التنوع.
كما أن تعزيز السلم الاجتماعي أصبح اليوم هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأهداف الاقتصادية والسياسية.
وفي عالم يشهد تصاعد الاستقطابات الفكرية والهوياتية، تصبح المؤسسات العلمية مطالبة بلعب دور أكبر في نشر ثقافة الحوار والتفاهم المشترك.
ومن منظور جيواستراتيجي فإن الموقع الحضاري لبلاد حضرموت يمنحها فرصة فريدة لتكون جسرًا للتواصل الثقافي والمعرفي بين المشرق العربي وآسيا وأفريقيا.
وقد أثبت التاريخ الحضرمي أن التأثير الحضاري يمكن أن يكون أعمق وأبقى من التأثير السياسي والعسكري.
فالعلماء والتجار والدعاة الحضارم أسهموا عبر قرون طويلة في بناء جسور إنسانية وثقافية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.
ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على المؤسسات العلمية باعتبارها جزءًا من الأمن الثقافي والحضاري للمجتمع.
كما أن نجاح أي مؤسسة لا يعني الاكتفاء بما تحقق، بل يستدعي التفكير المستمر في التطوير والتحديث والاستجابة للتحديات الجديدة.
فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، والمؤسسات التي لا تتجدد تفقد قدرتها على التأثير مهما كان تاريخها عريقًا.
ولهذا فإن المستقبل يتطلب توسيع مجالات البحث العلمي والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتعزيز الشراكات الأكاديمية الدولية.
كما يتطلب الاستثمار في الدراسات الاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على فهم التحولات المعاصرة والتعامل معها بفاعلية.
إن الذكرى الثلاثين لافتتاح دار المصطفى في مدينة تريم ببلاد حضرموت ليست مجرد محطة زمنية عابرة، بل فرصة للتأمل في تجربة علمية وثقافية امتدت آثارها إلى فضاءات متعددة داخل اليمن وخارجه.
وهي أيضًا مناسبة للتأكيد على أن بناء الإنسان سيظل المهمة الكبرى التي تتقدم على سائر المهام، لأن الإنسان هو صانع التاريخ ومحرك التنمية وحامل رسالة الحضارة.
ولا يكتمل الحديث عن المسيرة العلمية والحضارية لدار المصطفى خلال العقود الثلاثة الماضية دون الوقوف بإجلال وتقدير أمام الجهود المباركة التي أسهمت في تأسيس هذا الصرح العلمي وترسيخ رسالته وتوسيع دائرة تأثيره داخل حضرموت واليمن وخارجها. ويأتي في مقدمة هؤلاء فضيلة الشيخ العلامة الداعية والمربي الجليل الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ – حفظه الله تعالى – الذي ارتبط اسم الدار برؤيته العلمية والتربوية ومشروعه الفكري والدعوي الهادف إلى إحياء رسالة العلم الشرعي والتربية الأخلاقية وصناعة الإنسان الصالح القادر على خدمة مجتمعه وأمته. كما يستحق التقدير جميع العلماء والمشايخ والمربين الذين شاركوا في بناء هذا المشروع منذ بداياته الأولى، وكل من أسهم في دعمه ورعايته ومساندته من المحسنين وأهل الخير والداعمين داخل اليمن وخارجه، إذ إن المشاريع الحضارية الكبرى لا تقوم على جهود الأفراد وحدهم، وإنما تنهض بتكامل الرؤية والقيادة والعلم والتمويل والدعم المجتمعي والإيمان العميق برسالة البناء والإصلاح.
كما يطيب في هذه المناسبة العلمية أن نتوجه بخالص التقدير والامتنان إلى إدارة دار المصطفى وهيئاتها العلمية والتعليمية والإدارية، وإلى الأساتذة والمدرسين والمربين والمرشدين والعاملين في مختلف مرافقها، الذين حملوا أمانة التعليم والتربية والدعوة جيلًا بعد جيل، وأسهموا في ترسيخ مكانة الدار العلمية وتطوير برامجها ومناهجها وأنشطتها المختلفة. ويستحق طلاب الدار وخريجوها كذلك عظيم الثناء؛ فهم سفراء هذه المؤسسة في مجتمعاتهم وأوطانهم، ومن خلال جهودهم وانتشارهم تتجسد رسالة دار المصطفى وتتسع دائرة تأثيرها المعرفي والثقافي والإنساني. كما أن لأهالي مدينة تريم، مدينة العلم والعلماء، وبلاد حضرموت عامة، ولكل المحبين والأنصار والداعمين، فضلًا مشكورًا في احتضان هذه التجربة العلمية ودعمها والمحافظة على استمراريتها، وهو ما يؤكد أن نجاح المؤسسات العلمية الكبرى هو نتاج شراكة مجتمعية واسعة تتكامل فيها جهود العلماء والتربويين والطلاب وأهل الخير لخدمة العلم والإنسان والحضارة.
وختامًا، فإن المؤسسات العلمية الراسخة لا تُخَلَّد بجدرانها أو مبانيها، وإنما تُخَلَّد بما تزرعه في العقول من معرفة، وفي النفوس من قيم، وفي المجتمعات من وعي، وفي المستقبل من أمل. وعندما تنجح المؤسسة في الجمع بين العِلم والأخلاق والهوية والانفتاح والاعتدال والوسطية، فإنها تتحول من مجرد مؤسسة تعليمية إلى مشروع حضاري ممتد عبر الأجيال، وهو المعيار الحقيقي الذي تُقاس به عظمة المؤسسات وتأثيرها في صناعة التاريخ وبناء المستقبل.

إغلاق