اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع: مشروع معرفي عابر للحدود في خدمة البحث العلمي العربي

دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع: مشروع معرفي عابر للحدود في خدمة البحث العلمي العربي

تاربة ــ اليوم /كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

21 مارس 2026م

دار آريثيريا للطباعة والنشر والتوزيع تُعد من الدور العربية الصاعدة التي استطاعت أن تتجاوز الإطار المحلي لتبني لنفسها حضورًا علميًا عربيًا متناميًا. فهي، وإن انطلقت من بيئة سودانية، لم تبقَ حبيسة الجغرافيا القطرية، بل اتجهت إلى فضاء عربي أوسع، مستفيدة من شبكات النشر والمعارض والاهتمام المتزايد بالدراسات التاريخية والإنسانية ذات البعد العابر للحدود.
وقد تميزت الدار بتوجهها الواضح نحو النشر الأكاديمي الرصين، حيث أولت عناية خاصة بالبحوث التاريخية، ولا سيما ما يتصل بالسودان وشرق أفريقيا والقرن الأفريقي، غير أن هذا التخصص لم يكن انغلاقًا، بل مدخلًا للانفتاح؛ إذ تعاملت مع هذه الموضوعات بوصفها جزءًا من التاريخ العربي والإسلامي الأوسع، مما أكسب إصداراتها اهتمامًا لدى الباحثين في مختلف الأقطار العربية.
وفي سياق هذا الامتداد، حرصت الدار على تنويع إنتاجها بين التأليف والتحقيق والترجمة، فجمعت بين نشر الدراسات الأصلية وإعادة إحياء النصوص التاريخية، إلى جانب نقل أعمال أجنبية ذات صلة، الأمر الذي عزز من مكانتها بوصفها حلقة وصل معرفية بين الإنتاج العلمي المحلي والدولي. كما يظهر في بعض إصداراتها حضور اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، وهو مؤشر على وعيها بطبيعة الخطاب الأكاديمي المعاصر ومتطلباته.
ولا يقل عن ذلك أهمية اعتماد الدار على منهجية علمية واضحة في النشر، تقوم على خدمة الباحثين وطلاب الدراسات العليا، وتقديم مواد موثقة يمكن الإفادة منها في الدراسات المتخصصة. فهي لا تتجه إلى النشر التجاري بقدر ما تسعى إلى ترسيخ حضور معرفي جاد، الأمر الذي يجعلها أقرب إلى دور النشر الأكاديمية المتخصصة منها إلى الدور العامة.
ويضاف إلى ذلك أن الدار نسجت علاقات تعاون علمي مع مؤسسات بحثية متخصصة، من أبرزها مركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر، وهو تعاون يعكس توجهها نحو الاندماج في المشاريع البحثية الإقليمية، لا سيما تلك المرتبطة بالبحر الأحمر ودوائره الجيوسياسية والتاريخية. وقد أسهم هذا التعاون في تعزيز جودة بعض إصداراتها، وربطها بسياقات بحثية أعمق وأكثر تخصصًا.
كما يتجلى حضور الدار في الفضاء الإلكتروني بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمشروعها المعرفي؛ إذ أنشأت منظومة من المجموعات الإلكترونية المتخصصة تحت مظلة (آريثيريا)، تعنى بنشر وتبادل الكتب والبحوث والدراسات والأوراق العلمية، وتشكل ثلاث مجموعات كبرى تمثل منصات تفاعلية للباحثين والمهتمين. ويوازي ذلك وجود مجموعة نوعية مخصصة لقراءة الكتب وعرضها وتحليلها نقديًا، بما يسهم في تنشيط الحوار العلمي وتعميق الوعي القرائي. ولم تغفل الدار جانب النشء، حيث خصصت مجموعة مستقلة تعنى بكتب وقصص ومجلات الأطفال باللغتين العربية والإنجليزية، وهو توجه يعكس وعيًا بأهمية بناء قاعدة قرائية مبكرة ومتعددة اللغات.
إن هذا التوجه، مقرونًا بحضورها في المعارض والفعاليات الثقافية العربية، أسهم في توسيع دائرة تأثيرها، بحيث غدت جزءًا من المشهد الثقافي العربي، لا مجرد دار نشر محلية. ومن ثم يمكن القول إن دار آريثيريا تمثل نموذجًا لدار نشر عربية حديثة تسعى إلى بناء مشروع معرفي يتجاوز الحدود الجغرافية، ويرتكز على النشر العلمي الرصين والانفتاح على الفضاء العربي والدولي في آن واحد.

إغلاق