البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد أبو زيد: المؤرخ الذي حوَّل التاريخ إلى مشروع حضاري ومعرفي عابر للحدود
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
13 يونيو 2026م
ليس من السهل أن يكتب المرء عن عالمٍ جمع بين المؤرخ والباحث والمفكر والإداري الأكاديمي وصانع المؤسسات العلمية في آنٍ واحد، لكن الحديث عن البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد أبو زيد يفرض نفسه باعتباره أحد النماذج العلمية العربية والسودانية التي استطاعت أن تصنع حضورها من خلال العمل الدؤوب والإنتاج المعرفي المتواصل والإيمان العميق برسالة العلم ودوره في بناء الأمم.
لقد شهدت الساحة الأكاديمية العربية خلال العقود الأخيرة أسماءً كثيرة برزت في مجالات البحث والتدريس، غير أن القليل منها استطاع أن يتحول إلى مشروع علمي متكامل تتجاوز آثاره حدود الجامعة إلى فضاءات المجتمع والدولة والفضاء العربي الأوسع، والبروفيسور حاتم الصديق يمثل أحد هذه النماذج النادرة.
ويكتسب حضوره العلمي خصوصية استثنائية لأنه لم يتعامل مع التاريخ باعتباره مجرد سرد للماضي أو استعراض للأحداث، وإنما باعتباره أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ومنهجًا لفهم حركة المجتمعات وتحولات الدول ومسارات الحضارات.
ومن يطالع مسيرته الأكاديمية يدرك أنه أمام شخصية علمية نمت في بيئة البحث والتعليم الجامعي وتدرجت في السلم الأكاديمي حتى وصلت إلى درجة الأستاذية، بعد رحلة طويلة من الجهد العلمي والتدريس والبحث والإشراف والمشاركة في بناء المؤسسات الأكاديمية.
لقد تميزت تجربته العلمية بقدرة لافتة على الجمع بين التخصص الدقيق والانفتاح المعرفي الواسع؛ فهو مؤرخ متخصص في التاريخ الحديث والمعاصر، لكنه في الوقت نفسه يمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز حدود التخصص التقليدي إلى فضاءات الجغرافيا السياسية والدراسات الحضارية والأمنية والثقافية.
ولعل ما يلفت الانتباه في مشروعه العلمي أن اهتماماته البحثية لم تتوقف عند التاريخ السوداني فحسب، بل امتدت إلى البحر الأحمر والعلاقات الإقليمية والتفاعلات الحضارية والتجارية والثقافية بين الشعوب، وهو ما منح كتاباته بُعدًا عربيًا وإقليميًا واضحًا.
إن الباحث الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي قضاها في الجامعة، بل بحجم الأثر الذي يتركه في المعرفة، وهنا تتجلى قيمة البروفيسور حاتم الصديق من خلال عشرات البحوث العلمية المحكمة والكتب المتخصصة التي تناولت موضوعات متنوعة ومؤثرة في تاريخ السودان والبحر الأحمر والمهدية والعلاقات الإقليمية.
وتكشف قائمة مؤلفاته عن عقل بحثي شديد الحيوية، لا يكتفي بإعادة إنتاج المعارف السائدة، بل يسعى إلى اكتشاف زوايا جديدة للبحث وإعادة قراءة الوقائع التاريخية في ضوء مناهج أكثر عمقًا واتساعًا.
ومن السمات المميزة في شخصيته العلمية قدرته الفائقة على الربط بين الحدث التاريخي والسياق الحضاري والاستراتيجي الذي أنتجه، وهي مهارة لا يمتلكها إلا كبار المؤرخين الذين يدركون أن التاريخ ليس مجرد وقائع، وإنما شبكة معقدة من المصالح والأفكار والقيم والتحولات.
كما أن اهتمامه المتواصل بتاريخ البحر الأحمر يكشف عن وعي مبكر بأهمية هذا الفضاء الجيوسياسي الذي عاد اليوم ليحتل موقعًا مركزيًا في التفاعلات الدولية والإقليمية، الأمر الذي يجعل كثيرًا من دراساته ذات قيمة استشرافية تتجاوز زمن كتابتها.
ويُحسب له أنه لم يكتف بالبحث الفردي، بل اتجه إلى بناء فرق علمية ومشروعات بحثية جماعية وموسوعات معرفية كبرى، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لدور العالم المعاصر بوصفه قائدًا للمعرفة وليس مجرد منتج لها.
إن بناء المؤسسات العلمية الرصينة أكثر صعوبة من تأليف الكُتب، لأن الكتاب قد ينجزه فرد، أما المؤسسة فتحتاج إلى رؤية وقيادة وإدارة واستدامة، وقد برهن البروفيسور حاتم الصديق على امتلاكه لهذه الصفات من خلال إدارته للمراكز البحثية والمعاهد العلمية ومشروعات التوثيق الكبرى.
ولعل تجربته في تأسيس وإدارة مراكز البحث والدراسات المتعلقة بالبحر الأحمر تمثل نموذجًا ملهمًا لكيفية تحويل الفكرة العلمية إلى مشروع مؤسسي مستدام يخدم الباحثين وصناع القرار والمجتمع العلمي.
كما أن حضوره في الاتحادات والجمعيات العلمية العربية والأفريقية والدولية يعكس المكانة التي وصل إليها على مستوى الفضاء الأكاديمي خارج حدود السودان، وهي مكانة لم تأتِ بالمصادفة وإنما كانت ثمرة تراكم طويل من العمل والعطاء.
ومن الجوانب اللافتة في شخصيته أنه استطاع أن يجمع بين الأصالة والتجديد؛ فهو باحث متعمق في التراث التاريخي، لكنه في الوقت نفسه منفتح على المناهج الحديثة وقضايا العصر وأسئلة المستقبل.
وعندما نتأمل سيرته نجد أن التدريس لم يكن بالنسبة إليه وظيفة جامعية فحسب، بل رسالة حضارية مارسها لعقود، وأسهم من خلالها في إعداد أجيال من الطلاب والباحثين الذين أصبحوا جزءًا من الحركة العلمية في السودان وخارجه.
وقد أسهم إشرافه على الرسائل العلمية ومشاركته في لجان المناقشة والتحكيم العلمي في صناعة كوادر أكاديمية جديدة، وهو أثر يبقى ممتدًا حتى بعد انتهاء العمر الوظيفي لأي أستاذ جامعي.
ومن الناحية الفكرية، يمكن القول إن البروفيسور حاتم الصديق ينتمي إلى مدرسة المؤرخ البنائي؛ أي ذلك المؤرخ الذي لا يبحث عن الأحداث الكبرى فقط، بل يهتم بالبُنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تصنع تلك الأحداث.
ولهذا جاءت دراساته متنوعة بين التاريخ السياسي والعسكري والاجتماعي والاقتصادي والحضاري، وهو تنوع يدل على اتساع أفقه البحثي وقدرته على مقاربة الظواهر التاريخية من زوايا متعددة.
أما على المستوى الإنساني، فإن من يعرف الرجل يدرك أن أخلاقه الرفيعة لا تقل حضورًا عن مكانته العلمية، وأن تواضعه واحترامه للعلم والعلماء يمثلان جزءًا أصيلًا من شخصيته.
وهذه السمة تحديدًا هي التي تميز العلماء الكبار عبر التاريخ؛ إذ إن العلم الحقيقي لا يُنتج الغرور، بل يورث صاحبه مزيدًا من التواضع والإدراك لاتساع المجهول أمام الإنسان.
لقد استطاع البروفيسور حاتم الصديق أن يحافظ على صورة العالم الذي يجمع بين المعرفة والخُلق، وبين العقل والحكمة، وبين الدقة العلمية والإنسانية الرفيعة.
ومن يراجع قائمة مؤلفاته يدرك أنه لا يتعامل مع الكتابة بوصفها نشاطًا موسميًا، وإنما بوصفها مشروع حياة، ولذلك جاءت إنتاجاته متواصلة ومتنامية ومتنوعة بصورة لافتة.
كما أن اهتمامه بالتوثيق وحفظ الذاكرة الوطنية يعكس وعيًا عميقًا بأهمية صون التاريخ من النسيان والتشويه، وهي قضية تزداد أهمية في عصر تتسارع فيه التحولات وتتعرض فيه الذاكرة الجمعية لكثير من الضغوط والتحديات.
وفي البُعد الفلسفي يمكن النظر إلى تجربته باعتبارها نموذجًا لانتصار المعرفة على حدود المكان؛ فالرجل انطلق من بيئة محلية محددة، لكنه استطاع أن يجعل من العلم جسرًا للحضور العربي والإقليمي والدولي.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعالم؛ ليس في عدد ما يملك من المعلومات، بل في قدرته على تحويل المعرفة إلى أثر، والأثر إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى إرث يستمر بعد صاحبه.
إن التاريخ العربي والسوداني بحاجة دائمة إلى مثل هذه النماذج التي تجمع بين البحث الرصين والرؤية الحضارية والقدرة على البناء المؤسسي، لأن الأمم لا تتقدم بالسياسة وحدها ولا بالاقتصاد وحده، وإنما تتقدم أيضًا بعلمائها ومفكريها وحراس ذاكرتها التاريخية.
ولذلك فإن البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد لا يمثل مجرد أستاذ جامعي ناجح أو مؤرخ متميز، بل يمثل مدرسة علمية قائمة بذاتها، استطاعت أن توظف التاريخ في خدمة الوعي، وأن تجعل من البحث العلمي أداة لبناء المستقبل.
وسيظل اسمه مرتبطًا بعدد من أبرز المشاريع البحثية والمعرفية السودانية والعربية المعاصرة في مجال التاريخ والتوثيق ودراسات البحر الأحمر، وسيبقى عطاؤه العلمي شاهدًا على أن الأمم العظيمة تُبنى بأقلام علمائها كما تُبنى بسواعد أبنائها.
وتأسيسًا على ما تقدَّم، فإن الحديث عن البروفيسور حاتم الصديق محمد أحمد أبو زيد ليس حديثًا عن سيرة فردية فحسب، بل هو حديث عن قيمة العلم حين يقترن بالأخلاق، وعن المعرفة حين تتحول إلى رسالة، وعن المؤرخ حين يصبح صانعًا للوعي وحارسًا للذاكرة وبانيًا للمؤسسات ومعلمًا للأجيال. وهذه هي المكانة التي لا تُمنح بالألقاب، وإنما يصنعها العمل الصادق والعطاء المتواصل والإخلاص للعلم والإنسان والوطن.






