اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يصبح الضيق إنجازًا: من حكاية جحا إلى هندسة الأزمات في بلادنا

حين يصبح الضيق إنجازًا: من حكاية جحا إلى هندسة الأزمات في بلادنا

بقلم | صالح برك الجابري
الثلاثاء 9 يونيو 2026

لطالما استهوتني الحكايات القديمة والمأثورات الشعبية، ليس لأنها مجرد قصص للتسلية، بل لأنها تختزن في طياتها قدرًا عجيبًا من الحكمة وفهم النفس البشرية. فكثيرًا ما أجد أن قصة رُويت قبل مئات السنين قادرة على تفسير مشهدٍ نعيشه اليوم بدقة تفوق عشرات التقارير والدراسات الحديثة.
ومن بين تلك الحكايات التي لا تغيب عن الذهن، حكاية جحا الشهيرة مع الرجل الذي ضاقت به الحياة.
تقول الرواية إن رجلاً كان يعيش مع زوجته وأطفاله الخمسة في غرفة واحدة، لا تتسع لأحلامهم فضلاً عن أجسادهم. ضاقت عليه الدنيا حتى جاء إلى جحا يشكو حاله، طالبًا نصيحة تخرجه من هذا الكرب.
استمع جحا إليه بهدوء الحكيم، أو بمكر الظريف، ثم قال له:
“اشترِ ديكًا وضعه معكم في الغرفة.”
استغرب الرجل، لكنه نفذ النصيحة.
وبعد أيام عاد إلى جحا أكثر ضيقًا وتبرمًا، فكانت التوجيه التالي:
“اشترِ حمارًا وضعه معكم في الغرفة.”
ولم يكد يلتقط أنفاسه لبرهة، حتى جاءه الأمر الثالث:
“أدخل بقرة إلى الغرفة.”
وهنا بلغ العبث ذروته؛ غرفة صغيرة تضم رجلًا وزوجةً وخمسة أطفال وديكًا وحمارًا وبقرة! لم يعد المكان مسكنًا، بل تجربةً عملية لاختبار حدود الصبر البشري. كاد الرجل أن يفقد عقله من شدة الاكتظاظ، والضجيج، والروائح، والفوضى، حتى عاد إلى جحا يعلن استسلامه الكامل.
عندها فقط قال له جحا:
“أخرج البقرة.”
فخرج الرجل وشعر بشيء من الارتياح.
وبعد يومين قال له:
“أخرج الحمار.”
فازداد شعوره بالراحة النفسية.
وأخيرًا قال له:
“أخرج الديك.”
فعاد الرجل فرحًا ممتنًا شاكرًا، يتحدث عن السعة والراحة وكأنه انتقل إلى قصرٍ فسيح، رغم أنه عاد حرفيًا إلى نفس الغرفة الضيقة التي كان يشكو منها في البداية!
هذه الحكاية تبدو مضحكة حين تُروى في المجالس، لكنها تتحول إلى مأساة حقيقية عندما ننظر حولنا؛ فهكذا تماماً تُدار أزماتنا في هذا البلد.
في كثير من الأحيان لا تُحل الأزمات، بل تُكدَّس فوق بعضها البعض حتى يصبح المواطن محاصرًا من كل اتجاه. تنقطع الكهرباء، ثم تتراجع خدمات المياه، ثم ترتفع أسعار الوقود، وتتدهور العملة، وتتآكل الرواتب، وتتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، لتُضاف في كل يوم أزمة جديدة إلى قائمة الأزمات المفتوحة أصلًا.
ومع مرور الوقت، يعتاد الناس مستوىً معينًا من المعاناة لم يكونوا ليتخيلوا قبوله يومًا ما.
ثم يحدث ما يشبه “إخراج البقرة” من الغرفة!
تتحسن الكهرباء ساعةً إضافية..
أو ينخفض سعر سلعةٍ قليلًا..
او تتوفر بعض المحروقات..
أو يُصرف راتبٌ متأخر..
أو تُحل أزمة صغيرة وسط طوفان الأزمات..
فتعم موجة من الارتياح، وكأن انفراجًا تاريخيًا قد تحقق! لا لأن المشكلة حُلَّت فعلًا، بل لأن مستوى الألم انخفض قليلًا مقارنةً بما كان عليه بالأمس.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ فالإنسان لا يقيس أحواله دائمًا بما ينبغي أن تكون عليه في الأصل، بل بما كان يعانيه قبل لحظات. وعندما يعتاد الاختناق، يصبح مجرد الحصول على جرعة إضافية من الهواء إنجازًا يستحق الاحتفال وبث آيات الشكر.
إن أخطر ما في هذا الأسلوب الممنهج أنه لا يقدم حلولًا حقيقية، بل يعيد تعريف المعاناة نفسها. فبدل أن يسأل الناس: “لماذا وصلنا إلى هذا الوضع الكارثي؟” يصبح السؤال: “كم تحسن الوضع مقارنة بالأسبوع الماضي؟”
وهكذا تنتقل المعايير بهدوء من المطالبة بالحقوق المشروعة إلى الامتنان على الفتات، ومن البحث عن الحلول الجذرية إلى الاحتفاء بالتخفيف المؤقت للأضرار.
لقد نجح جحا في قصته لأنه جعل الرجل ينسى المشكلة الأصلية وينشغل بالمشكلات المفتعلة التي أُضيفت إليها، وعندما أزال بعضها، بدا الأمر وكأنه إصلاح عظيم وإنجاز غير مسبوق.
أما الحقيقة فكانت بسيطة جدًا:
الغرفة هي الغرفة..
والمشكلة هي المشكلة..
وكل ما في الأمر أن البقرة والحمار والديك غادروا المكان مؤقتاً!
لذلك، يظل الوعي هو السلاح الأهم والخط الدفاعي الأخير؛ أن نفرّق جيداً بين تخفيف الأزمة وحلها، وبين تقليل الضرر وإنهاء مسبباته، وبين التحسن النسبي والتعافي الحقيقي. فليس كل انفراج إنجازًا، وليس كل تراجع في المعاناة دليلًا على انتهاء المشكلة.
وأحيانًا، يكون أكبر انتصار للوعي.. أن نتذكر جميعاً شكل الغرفة قبل أن يدخلها الديك والحمار والبقرة.

إغلاق