من الصراع إلى التوافق.. هل ينجح المجلس التنسيقي الأعلى في إنقاذ ملف الكهرباء بحضرموت؟
بقلم / عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي”
حين تُذكر أزمة الكهرباء في حضرموت يتجه التفكير مباشرة نحو النفط والتمويل ونقص قدرة المحطات الكهربائية، غير أن المشهد يظهر أكثر تعقيداً من كونها أزمة فنية، فاحضرموت التي تمتلك مقومات اقتصادية وموارد طبيعية وفرصاً واعدة في مجال الطاقة النظيفة ما زالت تدور في حلقة من التعثر الخدمي تثير الكثير من التساؤلات.
في التجارب المختلفة والمحيطة يظهر ارتباط واضح بين استقرار الخدمات ووحدة القرار والإدارة السياسية، فكلما كان مركز القرار أكثر تماسكاً، أصبحت المشاريع أسرع تنفيذاً والمسؤولية أكثر وضوحاً، ولهذا يلفت الأنتباه نموذج مأرب التي نجحت في تحقيق قدر من الاستقرار الخدمي مقارنة بمناطق تعيش تحت تأثير أطراف سياسية متعددة وتوازنات متداخلة.
المسألة هنا تتجاوز الكهرباء كخدمة عامة، فالكهرباء في البيئات المضطربة تتحول إلى مصدر شرعية شعبية وسياسية، الطرف الذي ينجح في صنع إستقرار خدمي ويخفف من معاناة الناس يحصد رصيد شعبي وسياسي كبير، وهو ما يجعل ملف الخدمات جزءاً من معادلة النفوذ والتأثير لجميع الأطراف، ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من حالة التجاذب التي ترافق المشاريع الاستراتيجية والخدمية في المحافظات ذات المشهد السياسي المعقد.
وتزداد الصورة تعقيداً عندما توضع حضرموت في إطارها الوطني الأوسع، فالمحافظة تمثل ثقلاً اقتصادياً مهماً، وأي نجاح كبير في تحقيق استقرار خدمي مستدام داخلها يفرض أسئلة جديدة حول توزيع الموارد وأولويات الإنفاق والتزام المركز للمحافظات الاخرى، وهنا تتداخل الحسابات المحلية مع الاعتبارات السياسية والإدارية على مستوى التزامات المركز، وربما لهذا نرى عدم الأهتمام المُلم بهذا الملف من المركز نفسه.
كما أن استمرار الأزمات يخلق مع الوقت شبكات مصالح تستفيد من الحلول المؤقتة أكثر من استفادتها من المعالجات الجذرية، فكل أزمة طويلة العمر تفتح أبواباً للوساطة والعقود المشتراة والإنفاق الاستثنائي، الأمر الذي يجعل طريق الإصلاح أكثر وعورة مما يبدو على الواقع.
من هنا تبرز أهمية أي إطار قادر على جمع الأطراف المختلفة حول رؤية مشتركة بعيداً عن حسابات المكسب والخسارة، وقد يمثل المجلس التنسيقي الأعلى لحضرموت فرصة لتقليص فجوة الخلافات وصناعة توافق يحمي المشاريع الخدمية من التجاذبات السياسية الهادمة للتنمية، فالمحافظة لا تعاني من نقص في الفرص أكثر من ما تحتاج إلى مساحة أوسع من التفاهم حول كيفية استثمار تلك الفرص، بغض النظر عن مقومات الطاقة النظيفة التي تمتلكها حضرموت، من رياح كارسيبان إلى توفر عوامل الطاقة الشمسية.
وفي آخر المطاف، أزمة الكهرباء في حضرموت هي مرآة لأزمة أعمق تتعلق بإدارة التوازنات بين الأطراف السياسية أكثر من مشكلة بناء البنية التحتية نفسها، فحين تتعدد مراكز التأثير تصبح الخدمة ساحة تنافس بين الأطراف نفسها، وحين يتقدم التوافق الجامع تتحول خطط المشاريع الخدمية إلى إنجازات يلمسها المواطن في حياته اليومية.






