اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حوار الطرشان… حين يتحوّل “الاتفاق” إلى قنبلة مؤجلة

حوار الطرشان… حين يتحوّل “الاتفاق” إلى قنبلة مؤجلة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
3 يونيو 2026

منذ أشهر وأنا أتناول المشهد الأمريكي الإيراني عبر سلسلة مقالات متتابعة، بدءًا من «أمريكا والنظام الإيراني»، ثم «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» بتاريخ 25 مايو 2026، مرورًا بسلسلة «حوار الطرشان»، وصولًا إلى «حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز» بتاريخ 29 مايو 2026.

وفي جميع تلك المقالات كنت أؤكد أن ما يجري ليس مفاوضات حقيقية لإنهاء الصراع، بل إدارة طويلة للأزمة تُستخدم فيها الدبلوماسية كأداة لإعادة ترتيب موازين القوى وشراء الوقت، واليوم تتأكد تلك الرؤية أكثر من أي وقت مضى.

فالمشهد لم يعد مجرد خلاف نووي بين واشنطن وطهران، بل أصبح شبكة متشابكة من الملفات:
النووي،
العقوبات،
مضيق هرمز،
لبنان،
البحر الأحمر،
الطاقة،
وأمن الملاحة الدولية.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية…

لأن أمريكا تحاول جمع كل هذه الملفات داخل “سلة تفاوضية واحدة”، وكأن المنطقة يمكن إعادة ضبطها عبر اتفاق سياسي سريع، بينما الواقع يقول إن كل ملف منها عبارة عن حقل ألغام مستقل.

ولهذا فإن أي اتفاق يتم فرضه قبل معالجة جذور الصراع، لن ينتج سلامًا حقيقيًا، بل “استقرارًا هشًا” أشبه بقنبلة مؤجلة الانفجار.

فالولايات المتحدة تنظر للمفاوضات كوسيلة لخفض التصعيد وحماية مصالحها الاقتصادية ومسارات الطاقة العالمية، بينما تنظر إيران إليها كوسيلة لشراء الوقت، وتخفيف الضغط، والمحافظة على نفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات استراتيجية حقيقية.

أي أننا أمام طرفين يجلسان على طاولة واحدة… لكن كل طرف يتحدث بلغة مختلفة تمامًا.

ولهذا سميتها منذ البداية:
“حوار الطرشان”.

الخطير اليوم أن الغرب ما زال يعتقد أن بإمكانه “تفكيك” أزمات المنطقة عبر اتفاقات تقنية، بينما الحقيقة أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكل جيوسياسي كامل، تتداخل فيه القوى الدولية والإقليمية ضمن سباق نفوذ مفتوح لا تحكمه البيانات الدبلوماسية بل موازين الردع والقوة.

ولهذا فإن أي تصعيد في لبنان، أو البحر الأحمر، أو الخليج، قادر على نسف المسار التفاوضي بالكامل خلال ساعات.

ليس لأن الملفات مرتبطة طبيعيًا…
بل لأن واشنطن ربطتها صناعيًا داخل منظومة واحدة.

ومن هنا تحديدًا تظهر أهمية الدبلوماسية السعودية، كأحد أكثر الأطراف فهمًا لطبيعة المنطقة وتعقيداتها.

فالمملكة العربية السعودية أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها تتحرك بعقلية الدولة التي ترى المشهد لعقود قادمة، لا بعقلية ردود الأفعال اللحظية.

ولهذا أصبحت الرياض فعليًا أهم ركيزة لأي حل مستقبلي في المنطقة، لأن أمن الطاقة، وأمن الملاحة، واستقرار الخليج، وحتى توازنات الشرق الأوسط، لا يمكن ضمانها دون دور سعودي محوري.

والأهم أن المملكة فهمت مبكرًا أن الحروب الحديثة لم تعد فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بالاقتصاد، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار السياسي طويل الأمد.

ولهذا لم تنجر المملكة خلف كثير من الاستفزازات رغم امتلاكها القدرة على الرد، لأنها تدرك أن بعض الأطراف تسعى لدفع المنطقة نحو فوضى شاملة تخدم مشاريع أكبر.

ومن يتأمل المشهد اليوم سيكتشف أن كثيرًا من المبادرات السعودية التي كانت تُهاجم سابقًا أصبحت اليوم أساسًا لأي حديث جاد عن التهدئة والاستقرار.

وهذا ليس ضعفًا…
بل قمة القوة السياسية وبعد النظر.

فالدول الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على منع الحروب عندما يكون ثمنها تدمير المنطقة بالكامل.

ولهذا أقولها بوضوح:
إذا كانت المنطقة اليوم ما زالت تقف على حافة الانفجار دون أن تسقط بالكامل، فإن أحد أهم أسباب ذلك هو وجود عقل سياسي سعودي يدير التوازنات بأعصاب باردة ورؤية بعيدة.

أما القادم…
فلن يكون “سلامًا تاريخيًا” كما يروج البعض، بل مرحلة هدنة مضطربة، مليئة بالاختبارات الأمنية، والتصعيدات المحسوبة، والرسائل العسكرية المتبادلة.

فأمريكا لا تريد حربًا شاملة،
وإيران لا تريد انهيارًا داخليًا،
لكن كلا الطرفين يريد تحسين شروطه قبل أي تسوية كبرى.

أما المنطقة؟
فهي تدخل تدريجيًا مرحلة “إدارة الفوضى” لا إنهائها.

ولهذا أكرر ما قلته سابقًا:
لسنا أمام نهاية أزمة…
بل أمام إعادة تدوير أزمة بأدوات جديدة.

والسؤال الحقيقي لم يعد:
هل سينجح الاتفاق؟

بل:
كم سيصمد قبل أن تسقط أول قطعة دومينو في المنطقة؟

حينها سيدرك الجميع أن المشكلة لم تكن في “فشل المفاوضات”…
بل في نجاح اتفاق هش بُني فوق تناقضات لا يمكن جمعها أصلًا داخل إطار واحد.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق