اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

خريطة النجاة الحضرمية

خريطة النجاة الحضرمية

بقلم: عبد الباري الجريري

تمرّ حضرموت اليوم بواحدة من أدق المراحل السياسية والاجتماعية في تاريخها الحديث؛ مرحلة تتداخل فيها المشاريع، وتتقاطع عندها المصالح، وتضع الإنسان الحضرمي أمام استحقاقات مصيرية لا تقبل الرمادية أو الوقوف على الرصيف.
وفي هذا الخضمّ الصاخب، يبرز التعدد والتنوع في الرؤى والتوجهات السياسية كسمة بارزة للمجتمع الحضرمي، وهو أمر ليس بالجديد على مجتمع اتسم بالحيوية والعمق الثقافي؛ بل هو في أصله حالة صحية ودليل عافية.
ولكن، متى يتحول هذا التنوع إلى مأزق؟ وكيف يمكن تحويله إلى مصدر قوة؟

إن الإجابة تكمن في ضبط البوصلة نحو “كلمة سواء” ترسم خريطة طريق واضحة المعالم، يتفق عليها الجميع، وتذوب عندها الفوارق الحزبية والمكوناتية.

الاختلاف طبيعة.. والثوابت خطوط حمراء

من الطبيعي جدًا أن تتباين القناعات السياسية بين أبناء المحافظة الواحدة؛ فلو كان هناك حضرمي يرى أفق المستقبل وتطلعاته متسقة مع مشروع دولة الجنوب والمجلس الانتقالي، أو كان هناك آخر يرى الخلاص في صيغة سياسية مختلفة، أو يطالب بخصوصية حضرمية مستقلة تمامًا، فإن هذا التباين هو حق مشروع في عالم السياسة.

بيد أن الخطيئة الكبرى تكمن في أن يتحول هذا الانتماء السياسي أو المكوناتي إلى صكّ غفران يبرر التقصير في حق الأرض، أو لافتة تُشرعن التنازل عن حقوق أهلنا. فلا يمكن لأي توجه سياسي، أيًا كان سياقه، أن يكون بديلاً عن الهوية الحضرمية، أو مبررًا لرهن قرار المحافظة للخارج، محليًا كان أم إقليميًا.

السياسة مناورة وتبدّل، أما الثوابت فحقيقة راسخة يجب أن يقف عندها الجميع كالبنيان المرصوص، وتتمثل في ثلاثة أسس:

الأرض: سيادة حضرموت على ترابها، وإدارتها وتأمينها بواسطة أبنائها ومؤسساتهم الأمنية والعسكرية، ورفض أي محاولات لجعلها ساحة لتصفية الحسابات.

الثروة: تمكين أبناء حضرموت من عائدات ثرواتهم النفطية والمعدنية، ومنافذهم الحيوية، وتسخيرها لإنهاء عقود من الحرمان والتهميش الاقتصادي.

العيش الكريم: انتزاع الحقوق الأساسية في الخدمات، والتعليم، والصحة، والكهرباء؛ وهو حق أصيل لا يملك أحد منحه كـ”مكرمة”، بل هو واجب مستحق لأبناء هذه الأرض الشاسعة المعطاءة.

معالم خريطة الطريق

لكي لا تضيع الحقوق في ممرات المناكفات السياسية، فإن صياغة خريطة طريق حضرمية تتطلب الالتزام بمسارات عملية واضحة:

أولاً: ميثاق شرف لحماية المصلحة العليا:
يتوجب على كافة القوى والمكونات الحضرمية—من حلف قبائل، ومؤتمر جامع، ومجلس وطني، وانتقالي، ومستقلين—الالتفاف حول ميثاق شرف جامع، يرسّخ قاعدة ذهبية: “اختلف في متبوعك السياسي كما تشاء، ولكن إياك أن تجعل من هذا الاختلاف خنجرًا في خاصرة حقوق حضرموت”. ويجب أن يكون المعيار الحقيقي لنجاح أي مكون هو مقدار ما يقدمه لحضرموت، لا ما يأخذه منها.

ثانيًا: النأي بالداخل عن الصراعات البينية:
إن الحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي، من الساحل إلى الوادي، ومن الهضبة إلى الصحراء، هو الكنز الأثمن. ويجب تجنيب حضرموت أي مغامرات مسلحة أو فوضى أمنية، والعمل على استكمال دمج كافة الطاقات الأمنية والعسكرية ضمن أطر مؤسسية رسمية تحتكم لقرار وطني مسؤول.

ثالثًا: توحيد الخطاب وبناء المؤسسات:
لا بد من مغادرة عقلية الشكوى، والارتقاء إلى عقلية فرض الشراكة الندية. ويستلزم ذلك تمكين الكفاءات الشابة، ومحاربة الفساد في المفاصل المحلية، ورفع الصوت الحضرمي بخطاب موحد وصارم أمام كل مراكز النفوذ، لانتزاع الاستحقاقات دون مواربة.

كلمة أخيرة

إن حضرموت ليست مجرد جغرافيا أو أرقام في معادلات الآخرين؛ إنها إرث وتاريخ وثقل استراتيجي لا يمكن تجاوزه. واللحظة الراهنة لا تحتمل الالتفات إلى الصغائر أو الانشغال بالمعارك الجانبية.

إلى كل حضرمي في الداخل والمهجر: اختلفوا في الرؤى والوسائل السياسية، فهذا فضاء رحب يتسع للجميع، ولكن قفوا صفًا واحدًا لحماية الأرض والثروة والإنسان. ليكن شعار المرحلة الفعلي: “حضرموت أولاً وفوق كل اعتبار”، فالتاريخ لن يرحم من فرّط في حقوق أهله لقاء مكاسب آنية أو وعود سرابية.

إغلاق