أعراف برائحة الجاهلية: عندما يهدم الاستعلاء حدود الله
بقلم | عبدالإله عطشان
الحمد لله رب العالمين القائل في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] والصلاة والسلام على نبي الرحمة المبعوث لتقويض أركان الجاهلية وصناعة الإنسان على عين الوحي وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه القويم إلى يوم الدين أما بعد
فإن من أعظم المحن المعرفية والسلوكية التي تبتلى بها المجتمعات أن تنقلب الموازين الحاكمة للروابط الإنسانية فَيُقدَّم العرف الجاهلي المصادم للنص الشرعي على أصول الشريعة المحكمة وتتجلى هذه المحنة في الآونة الأخيرة داخل الفضاء الاجتماعي القبلي في اليمن من خلال بروز نزعات تشدّد عُنصري تؤسس لطبقية اجتماعية متوهمة وتفرز المجتمع بناءً على المهنة والحرفة تحت مسميات اصطلاحية مستحدثة كـ المزاينة أو نقص الكفاءة ترتب عليها آثار وخيمة بلغت حد التدخل القسري للتفريق بين المرء وزوجه وهدم البيوت القائمة على المودة والرحمة ونفي المتزوجين من حياض القبيلة ومقاطعتهم إن هذا التأصيل المقالي يسعى بأدوات التحليل الأكاديمي والشرعي إلى تفكيك هذه الظاهرة وبيان عوارها الحُكمي والتاريخي وإثبات أن هذه الممارسات لا تمثل عراقة القبيلة بقدر ما تمثل انحرافاً مستحدثاً ودخيلاً على الدين القويم والمنظومة القيمية الأصيلة
إن الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الفقه الإسلامي في مسألة العلاقات الزوجية والروابط الإنسانية هي وحدة الأصل الإنساني وعدالة التكليف فالشريعة الإسلامية لم تجعل الحرفة أو المهنة يوماً عيباً يُنقص من مروءة الإنسان أو دينه بل إن الأنبياء والرسل وهم صفوة الخلق مارسوا المهن الحرفية واليدوية فكان آدم حراثاً وداود حداداً وزكريا نجاراً وكان سيد الخلق محمد ﷺ ورعاة الأنبياء يرعون الغنم ويمارسون التجارة وقد اعتمد الفقه الإسلامي مفهوم الكفاءة في النكاح وجعل المعتبر الأعظم فيها هو الدين والخلق لقوله ﷺ إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض (رواه الترمذي).
أما استغلال فكرة الكفاءة في النسب والمهنة لإجبار الشاب على طلاق زوجته المسلمة لمجرد أن أهلها يمارسون أعمالاً خدمية أو إنتاجية كالمخابز أو المطاعم أو الجزارة أو الفنون الملتزمة فهو تحريف صريح للمقاصد الشرعية وجناية على حدود الله فالقرآن الكريم جعل الكرامة منوطة بالتقوى لا بالحرفة وفي الحديث الصحيح إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (رواه مسلم)
وعند قراءة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بوعي استقصائي نجد أن المجتمع المدني الأول الذي أسسه رسول الله ﷺ كان مجتمعاً مرناً حطم الفوارق الطبقية التي أوجدتها الجاهلية. فقد زوج النبي ﷺ زيد بن حارثة وهو من الموالي من زينب بنت جحش وهي القرشية الشريفة وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة بن زيد وعلى صعيد المهن والحرف،كانت القبائل العربية في عهد الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين تتزوج وتزوج من أصحاب المهن دون غضاضة أو نكير إذ كان المجتمع يقوم على التكامل والتكافل فلم يثبت قط في العهد النبوي أو العهود الإسلامية الزاهرة أن قُطعت الأرحام أو فُككت الأسر بسبب امتهان التجارة أو الطبخ أو الجزارة أو الصناعات اليدوية بل إن الصحابة والتابعين كانوا يرون في العمل الشريف عبادة وإعفافاً للنفس.
وتؤكد الدراسات التاريخية والاجتماعية أن ظاهرة الفرز الطبقي المهني في اليمن والجزيرة العربية لم تكن أصلاً في العادات القبلية القديمة التي كانت تعتمد على الشجاعة والكرم وحماية المستجير بل هي ظاهرة مستحدثة طرأت في عصور الانحطاط الفكري والسياسي وتحديداً خلال القرون المتأخرة ما بعد القرن السادس والسابع الهجريين ومع ترهل المنظومة المعرفية المركزية وبروز الإقطاعيات الفكرية والقبلية المنعزلة لقد تخلقت هذه العنصرية نتيجة لظروف سياسية واقتصادية معينة حيث سعت بعض النخب الاجتماعية إلى إيجاد نظام تراتبي يحمي امتيازاتها المادية والمعنوية فاستحدثت تصنيفات هجينة تقسم المجتمع إلى فئات على أساس الحرفة هذا التقسيم هو نتاج فكر بشري مأزوم ومصالح ضيقة صُبغت بصبغة العرف والعيب لشرعنتها وتوارثتها الأجيال دون تمحيص شرعي أو عقلي حتى صارت عند العوام كأنها دين يُتبع وهي في الحقيقة خروج عن جادة الإيمان.
إن إقدام بعض القبائل على إجبار الرجل على طلاق زوجته أو الضغط عليه بورق المقاطعة والنفي والتهديد يقع تحت طائلة المحرمات الكبائر في الشريعة الإسلامية ولقد وصف السائل الكريم هذا الفعل بوصف دقيق إذ إن هذا السلوك يتماهى في غايته مع أفعال السحرة الذين ذمهم الله في كتابه العزيز بقوله: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102].
إن التفريق بين المحبين وهدم الأسر القائمة على كتاب الله وسنة رسوله بغير سبب شرعي هو إفساد في الأرض وطاعة مباشرة لإبليس ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت
فأي قبيلة أو جماعة تتخذ من أعرافها وسيلة لتفكيك الأسرة المسلمة فإنها تضع نفسها في خندق الفتنة والإفساد وتتعدى حدود الله جهاراً لقوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229].
وختاماً يتوجه الخطاب إلى وجهاء القبائل وعقلاءها وإلى الشباب الأحرار إن حدود الدين وعرى الإسلام أقدس وأسمى من كل رسم خطّه بشر أو عرف صاغته أوهام التعصب إن القوة والشرف الحقيقي للقبيلة لا يكمنان في استعلاء موهوم على أصحاب المهن الشريفة الذين يطعمون الناس من كد أيديهم وعرق جباههم بل يكمنان في نصرة المظلوم وحفظ الحقوق والوقوف عند حدود الحلال والحرام إن التمسك بالعادات والتقاليد التي تخالف الشريعة وتورث البغضاء والتفرق هو ارتداد نحو الجاهلية الأولى التي قال فيها الرسول ﷺ « دعوها فإنها منتنة » والواجب الشرعي والأخلاقي على كل ذي لب أن يقاوم هذه النزعات الدخيلة وأن يعلم أن العمل شرف وأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ولا فضل لعربي على أعجمي ولا لقبيلي على غيره إلا بالعمل الصالح والتقوى ولنستذكر دوماً أن البيوت التي تبنى على المحبة والشرع لا يجوز لأعراف الجاهلية أن تهدمها وأن الخضوع لتهديد القبيلة في معصية الله هو وهن في الدين فالخالق أحق أن يخشى والشرع أبقى وأنقى والحمد لله رب العالمين.






