اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

جدلية الظهور والاختفاء في مقاومتي عمر المختار وعيدروس الزبيدي من ظلال الصحراء إلى صهاريج عدن

جدلية الظهور والاختفاء في مقاومتي عمر المختار وعيدروس الزبيدي من ظلال الصحراء إلى صهاريج عدن

بقلم / أ . عوض بلعيد لكمان
الثلاثاء 2 يونيو 2026

اكثر من مره أعدت مشاهدة ملحمة “عمر المختار” التي جسّدت نموذجاً فريداً للثبات والهيبة حيث قاد أسد الصحراء رجالاً عراةً بسلاح الإيمان ضد المدفعية الإيطالية غير أن التأمل المتأخر لهذا النص البصري وخاصة في أعقاب التحولات الدراماتيكية التي شهدها الثالث من يناير يكشف عن مفارقة استراتيجية جوهرية.

فقد كان عمق مأزق الاحتلال الإيطالي يكمن في عجزه عن فك شيفرة “غياب” المختار حيث لم تفلح شبكات الاستخبارات بأحدث تقنياتها في اختراق حيزه المكاني بل استسلمت لحقيقة أن الصحراء تلف شبح المختار بين اعاصيرها الهوجاء . لقد ظل المختار “شبحاً” متحركاً، لا يبصم على وجوده إلا بنيران الكر والفر حتى تم رصده عبر “الوسطاء المحليين” وهي تلك الثغرة البشرية التي ظل الاستعمار يستثمرها في كل وطن عربي وان انهيار حلقة الحماية الداخلية هو ما قاد إلى الأسر ثم الإعدام في مشهدية تراجيدية أكدت أن الخيانة وليس الحديد هي من يصرع الأبطال.

في مقابل هذه الصورة تبرز شخصية القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي كنموذج معاصر لنفس العبقرية التكتيكية لكن في سياق جيوسياسي مختلف تماماً خلال مرحلة تصديه للاحتلال ثم خلال الأحداث التي أعقبت تحرير عدن وصولاً إلى أزمة سبتمبر حيث استطاع الزبيدي أن يؤسس لمعادلة مختلفة وهي معادلة “الإفلات في اللحظة الأخيرة”.

ما يميز تجربة الزبيدي هو تحويل “أسلوب التخفي” من مجرد ضرورة ميدانية إلى فلسفة في إدارة الصراع. فبينما اعتمد المختار على مدى الصحراء المفتوح كمخبأ طبيعي راهن الزبيدي على تعقيد النسيج العمراني والجبل في الجنوب العربي كملاذ امن للتخفي أمام العين الاستخباراتية للخصم.

اللافت أن الزبيدي نجح حيث فشل الكثيرون في تعطيل قاعدة “العميل المحلي” التي كانت كفيلة بتسليم المختار ربما لأن تجربة الجنوب العربي علّمته أن أعداء الأمة لا يكتفون بقتل الرمز بل يعملون على إنتاج “وسطاء جدد” بشكل دوري وهنا تكمن عبقرية الرجل الذي حوّل الاختفاء المباشر إلى حضور سياسي غير مباشر وأبقى على جسده في دائرة “الرؤية السرابيه” ليعطل بروتوكولات الاغتيال والاختطاف.

إن قراءة هاتين التجربتين في ضوء التحليل الأكاديمي القومي تفتح باباً مهماً لفهم تحولات ثقافة المقاومة العربية فمن “استشهاد المختار” بسبب خيانة داخليه إلى “نجاة الزبيدي” عبر إدارة لعبة الاختفاء نرى تطوراً في “مناعة القائد” تجاه مخاطر الاختراق فالمختار صار أيقونة لأنه استُشهد والزبيدي صار قائداً لأنه أفلت ليُكمل التحرير و كلاهما غيّر المعادلة لكن الأول استعمل جسده كحجر عبور للطريق والثاني استعمل ظله كسياج متحرك لا يمكن للعدو أن يقبض عليه وهكذا تظل المقاومة العربية في حاجة إلى “كود” أمني خاص بقادتها ..كود يجمع بين شجاعة المختار في المواجهة ودهاء الزبيدي في التخفي حتى تتسنى الفرصه للظهرر مره اخرى وإدراك عميق بأن جيوش الاحتلال لا تُهزم بالسلاح فقط بل بتحويل القائد إلى “لغز” لا تحلّه استخبارات الخصم ولا يخونه الشعب أبداً.

إغلاق