اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

رفيق المحبرة والمسير: الدكتور عبد الله بن سعيد الجعيدي… عقدان في محراب تاريخ حضرموت

رفيق المحبرة والمسير: الدكتور عبد الله بن سعيد الجعيدي… عقدان في محراب تاريخ حضرموت

بقلم / محمد بن سالم بن علي جابر
الاثنين 1 يونيو 2026

ثمة رجالٌ تُلتقي بهم الحياة في زحامها، وتُعْرَفُ قاماتهم في رحاب الفكر والتاريخ، فلا تملك إلا أن تُسجِّل لهم مكاناً في سويداء القلب، وعنواناً في مسيرة العمر. من هؤلاء الذين صاغوا بجهدهم وعلمهم جزءاً من هويتنا الثقافية، وأضاءوا عتمة التاريخ بالبحث الدقيق، أخي ورفيق دربي، الأستاذ الدكتور عبد الله بن سعيد الجعيدي.
بدأت حكايتي معه من بين دفتي كتاب: حين شرفت بنشر مؤلَّفه الرِّصين “في رحاب تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر”. كان هذا المؤلف نافذة أطللتُ منها على عقلية فذة تجمع بين صرامة المنهج الأكاديمي وعاطفة الغيور على تاريخ وطنه. منذ نبض الحبر الأول، أدركت أنني لا أتلقّى مؤرّخاً عابرَ المسار، بل سادنَ سدنةٍ لِتاريخ حضرموت، يحمل في قلبه أمانة الكلمة وفي عقله شغف الاستقصاء.
ولأن المسافات الثقافية تتعارض أحياناً، لم تقف العلاقة عند حدود النشر؛ بل توطدت عراها وتعاظمت جذورها عندما التقينا في ميدانٍ علميٍ آخر لا يقل أهمية، وهو موسوعة اليافعية. كان قبولُه مراجعة القسم الخاص بـ”يافع في حضرموت” أثرٌ بالغٌ في نفسي، وفي مصداقية هذا المنجز الموسوعي. رأيتُ فيه المؤرّخَ المنصفَ والدقيقَ الذي يزن الكلمةَ بميزان الذهب، ويربط وشائج القربى والتاريخ بين يافع وحضرموت بمداد الإنصاف والمعرفة. فكانت مراجعته صمّام أمانٍ علميٍّ وثقافيٍّ.
ثم كان التتويج الأبهى لهذه العائلة المعرفية حين وضعنا معاً حجر الأساس لصرح علمي كنا نحلم به، فأسسنا “مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر” في قلب المكلا النابض. لم أجد أحقَّ منه ولا أقدر على حمل هذه الأمانة، فاستجاب مشكوراً لإدارة المركز. هناك، في محراب البحث والتوثيق، ازددتُ به معرفة، وازدادت علاقتنا صلابة ورسوخاً. رأيته يقود السفينة بحكمة العلماء، ويجمع الباحثين، ويحفز الهمم لإنقاذ الذاكرة الحضرمية من النسيان والإهمال.
واليوم، ونحن نقترب من إتمام عقدين من المسير المشترك، ألتفتُ إلى الوراء فأجده بحق “رفيق الدرب” في رحلة توثيق التاريخ الحضرمي. عشرون عاماً لم تغيّرها عوادي الأيام، بل صهرتها المواقف، وزادت الأيام من نضجها وراسخها.
إن الدكتور عبد الله الجعيدي ليس مجرد صديق، بل شريك رؤية، وأخٌ في الموقف، وعالمٌ كرّس عمره لخدمة تاريخ بلده وأمته. أكتبُ هذه الكلمات لا من باب المديح، فالقامات العلمية مستغنية بإنتاجها عن الثناء، وإنما هي شهادة حق وتعبير عن فيضٍ من المحبة والتقدير لرجل شاركني همّ الحرف، وعناء البحث، وشرف الحفاظ على الذاكرة والتراث.
حفظ الله الدكتور عبد الله بن سعيد الجعيدي، وبارك في علمه وعمره، ودام رفيقاً للمحربرة والمسير.

إغلاق