لا تمحوه سيول النسيان المهندس سعيد سالم بارجيب وأثر العطاء
بقلم | المحامي نوح يسلم سالم
الاثنين 1يونيو 2026م
تظل مواقف الشخص محفورة في ذاكرة الناس، لا يغيب عنهم، بل يستحضرونه في كل مناسبة تتعلق بالأثر الذي تركه. فكلما كان الأثر أعمق وأوسع في أي مجال من مجالات الحياة زاد حضور الشخص في القلوب، واستحق أن يحتذى به.
سنتحدث في هذا المقال عن شخصية تركت أثراً يشهد له الغريب قبل القريب، والزمالة قبل القرابة، شخص عكف على خدمة مجتمعه وبلده بتفانٍ واخلاص؛ نعم هذا الشخص هو المهندس سعيد سالم بارجيب طيب الله ثراه .
ولد المهندس سعيد سالم في مدينة تريم لأبوين من عامة الناس ومن أسرة فلاحة عريقه؛ ومنذ نعومة أظافره تلقى تعليمه التقليدي كباقي أقرانه في جهات العلم المعروفة آنذاك بالمعلامات؛ وما إن كبر وبدأ يحتك بالحياة ويستلهم دروساً من التجارب اليومية التي يمر بها، حتى صنعت منه شاباً مدركاً لمتطلبات المرحلة التي يعيشها.
كما أن مرافقته لوالده المناضل سالم سعيد بارجيب رحمه الله جعلته أكثر حكمة ودهاء، لما لوالده من سجل حافل بالصدع بالحق أمام جحافل الظلم والاستبداد بتلك الفترة البغيظة؛ وكما أنه عرف بالحكمة والقول الرشيد الحسن؛ كما ا ن اباه يعتبر من وجهاء منطقة عيديد والخليف.
وما إن كبر واقوسَّ عظمه واشتد ساعده، وبعد أن استقى العلم من المدارس التقليدية والنظامية، وقد بدت عليه أمارات الشباب حتى التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية التي توجبها الدولة في حينها؛ وذلك للقيام بالدفاع الوطني عن نظام ودولة ذلك الزمان؛ وقد اكتسب خبرة مكنته من التعامل مع قساوة الحياة وشظف العيش بتلك الحقبة.
أما بالنسبة لنشاطه الاجتماعي؛ فقد كان عنصراً فاعلاً في مجتمعه نافعاً وخادماً لهم فقد شارك في إدارة نادي البرق وكان من أفضل إداريي النادي بفترة بداية تأسيسه؛ فقد علم على تعشيب الملعب بالعشب الطبيعي وجلب الماء من أحد الابار المجاورة للنادي ليقوم بري الحشيش؛ وكما أنه قام ببيع العشب الفائض عن حاجة الملعب وتم تأمين دخل طيب للنادي ليغطي نفقات الأنشطة التي تقام للنادي.
ويذكر أحد الذين عاصروه اثناء تواجده بإدارة النادي؛ أنه كان لديهم مباراه بين فريقين معروفين؛ وقد اكتسبت هذه المباراة المزمع اقامتها مساءاً على معلب نادي البرق زخماً شعبياً وجماهيرياً كبيراً، فاحتاجوا إلى شيء يرفع سرج الإنارة فوق شيء مرتفع حتى تضيئ بصورة أفضل؛ وكان اداريّو النادي يحتاجون إلى حل لهذه المعضلة، وهنا تجلت حكمة المهندس وسدادة رأيهِ فاقترح عليهم باستعمال جذوع النخل اليابس وقال انصبوها على حافة الملعب وضعوا سرج الإنارة على رأس كل جذع؛ وقد قاموا بإنارتها فكانت إنارة جيدة واستخداماً أمثل لمثل هذه السرج؛ وقد شاهد شخص من بعيد الإنارة مرتفعة وتضيئ ساحة الملعب فتعجب وتسائل عن كيفية وصول الانارة بهذا الارتفاع هل هو تطور لحق بهذه المدينة استثناءً أم خدعة بصرية أم ماذا… لأن مدينة تريم لم تصلها معدات أعمدة الإنارة الحديثة بتلك الفترة لنصبها حول الملاعب. ولما علم الرجل أنها جذوع النخل قال لا يمكن أن أكذب أي شيء يفعله النادي فقد فعل المستحيل.
أما بالنسبة لحياته المهنية فبعد أن أدى الخدمة الإلزامية التحق بعدها بالسلك المدني وتحديداً الهيئة العامة للكهرباء؛ وترقى في أروقتها حتى بات مقاولاً معروفاً لمد خطوط الكهرباء عبر الأودية والشعاب؛ بل اتقن عمله وبرز اسمه في ميادين العمل؛ فقد كان له الشرف بأن مد خط الكهرباء إلى مدينة تريم بسرعة قياسية قبل وقوع فيضانات وكوارث 2008م مما أدى إلى تخفيف ساعات انقطاع الكهرباء على مدينة تريم.
التقيت ذات مرّة مع بدوي من شبوة وتبادلنا أطراف الحديث وبعد التعارف قال لي عمك الذي يقول في الكهرباء قلت نعم من أين تعرفه قال نعم رحمه الله مد خطوط الكهرباء في منطقتنا فقد اكتسب سمعة طيبة في كل مكان ذهب إليه.
وقد بقي هكذا حتى وافته المنية وهو على رأس عمله بعد اجازة رمضان وعيد الفطر رحمة الله تغشاه وتقبله في الصالحين.






