مسودة الدستور أم مسودة الصراع
بقلم / د.صايل بن رباع
الجمعة 22 مايو 2026
يتطلع كثير من اليمنيين إلى تسويات قادمة، يعتقدون أنها ستمنحهم “يمناً اتحادياً جديداً”.
لكن، ورغم تعقيدات الوضع اليمني واقترابه من البلقنة والتفكك بفعل الصراعات، لا بد من التنبيه إلى أن الترويج لمسودة الدستور اليمنية غير المستفتى عليها، والتي كانت أحد أسباب تفجّر الصراع، وتسويقها باعتبارها وثيقةً مُجمعاً عليها، هو بحد ذاته مدخل لصراع جديد أشد عنفاً.
هذه المسودة لا تؤسس لدولة فيدرالية حقيقية، بل تعيد إنتاج المركزية في قالب اتحادي شكلي.
والاطلاع على فلسفتها وتركيبتها وصياغاتها، وعلى موادها: 17، 231، 238، 342، 355، 356، 357، 358، 360، 362، 364، 365، 366، 371، 372، 377، 378، 379، 381، 387، 388، 390، إضافة إلى أحكام تعديل الدستور فيها،
كفيل بأن يُظهر لأي مختص كيف أُعدّت بعقلية مركزية خالصة.
وذلك عبر آليات متشابكة تشمل:
- مصادرة السيادة على الثروات.
- هندسة ديموغرافيا السلطة.
- سمو القانون الاتحادي المطلق.
- الهيمنة المالية الشاملة.
- إقصاء الأقاليم عن تعديل الدستور.
وتحمل المسودة آليات أخرى لا تقل خطورة:
- منع تشكيل الأحزاب الإقليمية.
- حرمان الأقاليم من أدوات السيادة التنموية (الضرائب، الاقتراض، التحصيل الذاتي للإيرادات).
- التحكم في الإنفاق من الإيرادات عبر صناديق تدار مركزياً وقوانين تتغير سنوياً.
ما سينتج أقاليم مشلولة تنموياً، عاجزة عن إطلاق أي مشروع حقيقي طويل الأجل.
المشكلة هنا ليست تقنية فحسب، بل فلسفية وتاريخية.
نحن إزاء مسودة دستور تكرّس منطقاً أنتج تاريخياً أنظمة ثيوقراطية، وكليبتوقراطية، وأبوية سياسية، تقوم على خطف السلطة وبناء شبكات مصالح قائمة على الفساد.
والمسودة لا تتضمن أي ضمانات ضد تكرار هذا المشهد، وعلى رأسها حق تقرير المصير لشعوب الأقاليم – المفقود في هذه المسودة – والذي يعد الضمانة الوحيدة القادرة على تعديل ميزان القوى لمصلحة الأقاليم.
لبناء اتحاد حقيقي مستدام، لا بد من تقديم رؤية متكاملة لأسس دستور اتحادي بديل، يقوم على:
- السيادة المشتركة.
- المواطَنة الإقليمية.
- الملكية الإقليمية للثروات.
- الاستقلال المالي الكامل.
- حرية الأحزاب الإقليمية.
- القفل الدستوري الفيدرالي (تقييد تعديل الدستور باستفتاءات إقليمية ووطنية).
- ضمان حق تقرير المصير للأقاليم، كضمانة في حالة عودة الاستبداد أو خطف الدولة.
- البحث عن مركز جاذب للأقاليم ومفيد لها، لا طارد ومستغل.
هذه الأسس ليست ترفاً فكرياً، بل هي الحد الأدنى الذي يجعل من الاتحاد شراكة طوعية حقيقية بين أقاليم تمتلك سيادتها.
لا سجناً كبيراً لأقاليم فُرضت عليها هوية سياسية مصطنعة، بسبب سياسات استعمارية سابقة أو أنظمة سياسية قهرية قررت ضمها وأعادت تشكيل هويتها بدون أي آليات استفتاء ديمقراطية لسكانها، وتحت ذريعة “الشرعية الدولية”، التي تتوسل بها شرعية غير مكتملة، سبقتها شرعيات لها تاريخ طويل من الفشل السياسي وإعادة إنتاج الصراعات.
إتحادٌ كهذا هو محاولة لبناء سجن شرعي لشعوب وأقاليم، تديره مجموعة ضيقة من مركز لا يملك من الجاذبية ما يقنع الأطراف غير المستفيدة منه بالبقاء في مداره.
كيف يمكن إقناع حضرموت، بتاريخها الممتد إلى أقدم الإمبراطوريات، وهويتها الأعرق في محيطها، وثروتها الأكبر على المستوى الوطني، وامتدادها العالمي عبر شتاتها المؤثر، ورأس مالها البشري والمالي، وهي التي تملك كل مقومات المركز الجاذب، بأن تقبل أن تكون تابعاً في مدار مركز لا يملك ما يجذبها ولا ما يخدمها؟
الاتحاد الذي لا يقوم على المنفعة المتبادلة والعدالة، ومداره حول مركز غير جاذب، هو اتحاد مؤجل الانهيار.
وإما أن يكون الاتحاد القادم اتحاد السيادات، وإما فلا حاجة لمزيد من الصراعات والمآسي…
وللصراع بقية…






