اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

خطاب العليمي في ذكرى الوحدة.. مصارحة سياسية ورسائل طمأنة وإعادة تموضع للدولة

خطاب العليمي في ذكرى الوحدة.. مصارحة سياسية ورسائل طمأنة وإعادة تموضع للدولة

تحليل للصحفي : محمد ناصر عجلان

جاء خطاب فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي بمناسبة العيد الوطني الـ36 للجمهورية اليمنية مختلفا في نبرته ومضمونه عن الخطابات الاحتفالية التقليدية السابقة، إذ بدا أقرب إلى وثيقة مراجعة سياسية شاملة، تضع اليمنيين أمام جملة من الحقائق السياسية والأمنية والاقتصادية الحرجة التي تعيشها البلاد، محاولا رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إعادة بناء الدولة بالشراكة والتوازن.

الخطاب حمل في طياته حزمة من الرسائل المتوازنة للداخل والخارج، وركز بصورة موضوعية على أربع قضايا محورية: القضية الجنوبية، تماسك جبهة الشرعية، الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية، إلى جانب تثبيت موقع الأشقاء في التحالف العربي وتحديدا المملكة العربية السعودية كشريك استراتيجي مستقبلي لليمن.

أولا: القضية الجنوبية..

شجاعة الاعتراف وإعادة صياغة المقاربة
منذ اللحظة الأولى، تعمد الرئيس الابتعاد عن لغة الانتصارات الوهمية، مؤكدا أن البلاد تمر بلحظة فارقة تتطلب المصارحة لا المكابرة.
ولعل أبرز ما يمكن التقاطه في الخطاب هو الاعتراف الصريح وغير المسبوق بأن مشروع الوحدة اليمنية تعرض لانحرافات خطيرة أدت إلى مظالم وإقصاء وتهميش. هذا الاعتراف يحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية، إذ يبعث برسائل طمأنة واضحة للقوى الجنوبية بأن معالجة القضية الجنوبية لم تعد ملفا مؤجلا، بل أصبحت بحسب منطوق الخطاب جوهر أي تسوية سياسية عادلة.
كما أن حديث الرئيس عن تمكين جميع اليمنيين من التعبير الحر عن تطلعاتهم وتقرير مستقبلهم السياسي والاقتصادي والثقافي يمثل تحولا لافتا في الخطاب الرسمي، ومحاولة جادة لإعادة بناء الثقة مع الشارع الجنوبي بعد سنوات من التوتر.
وفي المقابل، حرص الخطاب على رسم خطوط حمراء واضحة، تفصل بين الاعتراف بالمظالم والحفاظ على إطار الدولة ومؤسساتها، رافضا استخدام القضايا العادلة كمسوغ لتقويض الاستقرار.

ثانيا: ترميم جدار الشرعية واحتواء التصدعات الداخلية
عكس الخطاب بوضوح حجم القلق المستمر داخل مجلس القيادة الرئاسي من أي انقسامات داخلية قد تضعف الجبهة العريضة المناهضة للمشروع الحوثي، ولذلك ركز الرئيس على حتمية توحيد القرار العسكري والأمني ومنع الانجرار نحو الصراعات الجانبية.

وفي هذا السياق، جاءت إشارته إلى احتواء منعطف أمني وسياسي خطير شهدته بعض المحافظات الجنوبية والشرقية، كاعتراف مباشر بالتحديات التي كادت تهدد مركز الدولة القانوني. لكن اللافت أن الرئيس اختار لغة التهدئة بدل التصعيد، حيث دعا إلى إسقاط أوامر التوقيف والملاحقات بحق بعض الشخصيات السياسية والمدنية ما لم تتورط في أعمال عنف أو إرهاب أو فساد، وهي خطوة عملية لفتح صفحة جديدة ورص الصفوف.
ثالثا: الملف الاقتصادي..

مكاشفة مريرة بالجرعات الضرورية
اقتصاديا، لم يبع الرئيس الأوهام، بل حمل خطابه اعترافا ضمنيا بصعوبة المرحلة المقبلة معلنا بدء تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية صعبة.

تأتي هذه المصارحة في توقيت حساس تعيش فيه المناطق المحررة أزمة معيشية خانقة، وانهيارا مستمرا للعملة المحلية، وتراجعا في الخدمات، وهو ما يجعل أي إصلاحات مرشحة لإثارة غضب شعبي ما لم تترافق مع تحسن ملموس. ومع ذلك، حاول الخطاب تقديم هذه الإجراءات القاسية باعتبارها ممرا إجباريا لإعادة البناء والاعتماد على النفس، مع التعهد بمراعاة ذوي الدخل المحدود لامتصاص المخاوف الشعبية.

رابعا: العلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي
خارجيا، منح الخطاب المملكة العربية السعودية مساحة واسعة من الإشادة، متجاوزا لغة الشكر التقليدية نحو تأصيل سياسي جديد يقوم على نقطتين:

من التحالف إلى الشراكة: تأكيد الرئيس على نقل العلاقة مع الرياض إلى شراكة استراتيجية شاملة يعكس توجها لربط استقرار اليمن بالأمن الإقليمي ودمجه تدريجيا في المنظومة الخليجية.

خطاب العدالة لا الانتقام: في الملف الإنساني الخاص بالأسرى والمختطفين،

قدم الرئيس صورة مرنة للدولة تؤكد للمجتمع الدولي أن الشرعية تمثل سلطة عدالة وإنصاف وقابلة للحياة والاستقرار متى ما استمر الدعم الدولي لها.

خلاصة واستشراف:

في المجمل، يمكن القول إن خطاب العليمي في ذكرى الوحدة لم يكن خطابا احتفاليا، بل كان خطاب إعادة تعريف للمرحلة الانتقالية، سعى بقوة إلى احتواء التناقضات الداخلية والمصارحة بالأخطاء التاريخية.

لكن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في بلاغة الصياغة السياسية للخطاب، بل في قدرة السلطة على تحويل هذه الوعود والرسائل إلى خطوات عملية على الأرض. فالشارع اليمني في المحافظات المحررة لم يعد ينتظر خطابات مطمئنة، بل ينتظر خطوات ملموسة لاستعادة الخدمات، ودفع الرواتب، وكبح جماح التدهور الاقتصادي، وإنهاء سنوات الحرب والانهيار الطويلة.

إغلاق