اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يضعف الوسيط الأجتماعي بحضرموت.. كيف تتحول الهويات الاجتماعية إلى اصطفافات سياسية؟

حين يضعف الوسيط الأجتماعي بحضرموت.. كيف تتحول الهويات الاجتماعية إلى اصطفافات سياسية؟

بقلم / عمار العامري
صحفي ومحلل سياسي
22 مايو 2026

في حضرموت، لم يعد الانقسام السياسي تباين طبيعي بين مشاريع مختلفة، بل أصبح انعكاسًا لتحولات اجتماعية أعمق أعادت تشكيل مفهوم التمثيل والهوية والسلطة داخل المجتمع، فخلف كل اصطفاف سياسي اليوم، تظهر جماعات اجتماعية تشعر أن السياسة ليست ساحة برامج وأفكار، انما مساحة للدفاع عن الوجود والمصالح والمكانة وسط واقع مضطرب.

هذا ما يفسر لماذا باتت بعض الانتماءات الاجتماعية تتحرك سياسيًا بصورة شبه جماعية، حتى أصبح التموضع السياسي في بعض الأحيان مرتبطًا بالخلفية الاجتماعية أو المناطقية أكثر من ارتباطه بالقناعة الأيديولوجية الخالصة، وهنا قد تعتبر الأزمة أبعد من خلاف سياسي شكلي، لأنها تمس الطريقة التي يعيد بها المجتمع تعريف نفسه في ظل ضعف الدولة وتراجع المؤسسات الجامعة.

حضرموت تاريخيًا لم تكن مجتمعًا متجانسًا بالكامل، لكنها امتلكت توازنات اجتماعية حافظت على الحد الأدنى من الانسجام بين مكوناتها المختلفة مثل القبلية والفئات المهنية والتجمعات الزراعية، كلها كانت جزءًا من تكوين اجتماعي متنوع استطاع لسنوات طويلة احتواء اختلافاته داخل إطار حضرمي واسع، غير أن هذا التوازن بدأ يتغير تدريجيًا مع التحولات السياسية التي شهدها جنوب اليمن وشرقه خلال العقود الماضية.

خلال مرحلة الحكم الاشتراكي، أعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع بصورة عميقة، فالدولة وقتها لم تكتف بإدارة السياسة، بل دخلت إلى قلب البنية الاجتماعية نفسها، عبر إعادة توزيع النفوذ وتقليص حضور بعض القوى التقليدية مقابل تمكين فئات ارتبطت بالدولة ومؤسساتها، هذه التحولات لم تختفِ بانتهاء المرحلة، بل تركت أثرًا طويلًا في الوعي الاجتماعي والسياسي داخل حضرموت.

لهذا يمكن فهم لماذا تظهر بعض الفئات أكثر قربًا من المشاريع السياسية ذات الطابع المركزي أو المرتبطة بالإرث الجنوبي، باعتبارها مشاريع قدمت سابقًا صورة عن تقليص الفوارق الاجتماعية وإحداث جزء كبير من العدل والمساواة في فترات مختلفة، وفي المقابل، اتجهت قطاعات قبلية واجتماعية أخرى نحو مشاريع تعطي أولوية لفكرة الحكم الذاتي أو “معادلة الطرف الثالث”، انطلاقًا من شعور متزايد بأن المركز، سواء كان في صنعاء أو عدن، غير قادر على تمثيل خصوصية حضرموت أو حماية مصالحها.

لكن هذا التحول لا يمكن فهمه فقط عبر تبلورات السياسية، فالمسألة ترتبط أيضًا بطبيعة “التضامن الاجتماعي” داخل المجتمع، حين تكون الدولة قوية والمؤسسات فاعلة، يصبح الانتماء للمؤسسة والقانون والمصلحة المشتركة تضامن عضوي أقوى من الانتماءات الضيقة، أما حين تضعف الدولة، يعود المجتمع تلقائيًا نحو الأشكال التقليدية من التضامن، حيث تتحول القبيلة أو الجماعة الاجتماعية إلى مصدر حماية وتمثيل وأمان وهذا ما يعرف علمياً بالتضامن الآلي.

وهذا ما حدث تدريجيًا في حضرموت بعد سنوات الحرب، فمع تراجع مؤسسات الدولة بعد 2015، فقدت الأحزاب جزءًا كبيرًا من دورها، وتراجعت النقابات، وضعفت المجالس المدنية، بينما توسعت الجماعات المحلية والمكونات المناطقية باعتبارها البديل الأكثر قدرة على ملء الفراغ، هنا لم تعد السياسة قائمة على التنافس، بل على قدرة كل جماعة على حماية مصالحها وتأمين حضورها داخل المشهد الجديد.

يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في طبيعة الخطاب السياسي الحالي، فالكثير من القوى لم تعد تقدم نفسها باعتبارها حاملة لمشروع سياسي شامل، بل باعتبارها ممثلًا لجماعة اجتماعية أو جغرافية تشعر بالقلق من التهميش أو الإقصاء، حتى مفهوم “الطرف الثالث” يمكن فهمه ضمن هذا السياق؛ فهو لا يعكس فقط طموحًا سياسيًا، بل يكشف أيضًا عن أزمة ثقة متراكمة تجاه القوى الكبرى المتصارعة، ورغبة في بناء مركز تمثيل حضرمي يحاول حماية القرار المحلي من الذوبان داخل الاستقطابات الأوسع.

كما أن الصراع حول الخدمات والموارد زاد من حدة هذا الاصطفاف، ففي البيئات المستقرة، تحصل القوى السياسية على شرعيتها عبر المؤسسات والانتخابات، أما في البيئات الهشة، تتحول الكهرباء والوظائف والأمن وحتى المشاريع الخدمية إلى أدوات لإنتاج النفوذ والشرعية السياسية، ولهذا أصبح كثير من الناس يربطون انتماءهم السياسي بقدرة الجهة التي ينتمون إليها على توفير الحماية أو الخدمات أو النفوذ داخل مؤسسات السلطة.

في المقابل لعب الإعلام دورًا مباشرًا في تعميق هذه الحالة، فبدل أن يتحول إلى مساحة لصناعة خطاب جامع، ساهم جزء منه في إعادة إنتاج الانقسام عبر تكريس ثنائيات “نحن” و”هم”، وتغذية الشعور بالمظلومية أو التهديد المتبادل، وفي ظل غياب المؤسسات الوسيطة، تصبح اللغة الإعلامية أداة تعبئة قادرة على تحويل أي خلاف اجتماعي إلى استقطاب سياسي مفتوح.

وهنا تظهر أزمة “الوسيط الاجتماعي” بوصفها جوهر المشكلة لا أحد تفاصيلها، فالمؤسسات الوسيطة، مثل الأحزاب والنقابات والمجالس المدنية، تؤدي عادة دورًا حاسمًا في منع انتقال التوترات الاجتماعية مباشرة إلى المجال السياسي، وحين تنهار هذه الوسائط، تتحول الهويات الاجتماعية نفسها إلى مشاريع سياسية تبحث عن تمثيل وحماية ونفوذ.

من هذه الزاوية يمكن فهم أهمية أي محاولة لبناء إطار توافقي جامع داخل حضرموت، مثل فكرة المجلس التنسيقي الأعلى، نجاح أي كيان من هذا النوع لا يرتبط فقط بجمع المكونات السياسية حول طاولة واحدة، بل بقدرته على إعادة إنتاج الثقة داخل المجتمع نفسه، فالمشكلة الحالية ليست غياب كيان سياسي فحسب، بل غياب مؤسسة قادرة على تحويل التنوع الاجتماعي من مصدر قلق إلى قاعدة شراكة.

لكن هذا النجاح يبقى مشروطًا بطبيعة الدور الذي سيلعبه المجلس, فإذا تحول إلى مجرد مظلة لتقاسم النفوذ والمحاصصة، فإنه سيعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة, أما إذا نجح في خلق مصالح مشتركة بين المكونات المختلفة، وربط التنمية بالتوافق، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية، فقد يتحول فعلًا إلى وسيط اجتماعي يخفف من حدة الاستقطاب.

فالمجتمعات لا تتماسك فقط عبر الشعارات، بل عبر المصالح المشتركة أيضاً، حين يشعر المواطن أن استقرار الكهرباء أو فرص العمل أو التنمية يرتبط بالتوافق لا بالصراع، تبدأ الهويات الضيقة بالتراجع تدريجيًا لصالح أشكال أوسع من الانتماء، ولهذا التنمية جزءًا من الحل السياسي، لا ملفًا منفصلًا عنه.

وربما تكمن المعضلة الأهم في أن حضرموت حتى الآن لم تحسم شكل هويتها السياسية الجامعة، فهناك من يراها جزءًا من مشروع جنوبي أوسع، وهناك من يطرحها كطرف مستقل داخل المعادلة اليمنية، بينما يتعامل آخرون معها بوصفها إقليمًا يبحث عن إدارة موارده وصلاحياته بعيدًا عن المركز، هذا التباين لا يعكس فقط خلافًا سياسيًا، بل يعكس أيضًا غياب تصور موحد لطبيعة العلاقة بين المجتمع الحضرمي ومكوناته السياسية.

علاوة على ذلك، أزمة حضرموت أعمق من صراع بين مشاريع سياسية متنافسة، إنها أزمة تتعلق بمن يملك حق تمثيل المجتمع في ظل غياب الدولة وضعف المؤسسات, فحين يفشل الوسيط الاجتماعي الجامع في إنتاج هوية مشتركة، تتحول الجماعات الأجتماعية تلقائيًا إلى كيانات سياسية تبحث عن حماية نفسها قبل أن تفكر في بناء مشروع وطني جامع، لذلك فإن التوجه لبناء وسيط إجتماعي جامع يعتبر أهم العوامل لإيجاد رؤيا يتفق عليها الحضارم بمختلف مشاربهم التعددية.

إغلاق