اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

جرعات انطفاء

جرعات انطفاء

بقلم / عبدالله قاسم.
السبت 16 مايو 2026

على امتداد هذا الوادي، وفي كل لحظة تمرّ، هناك طفل باكٍ، وعجوز مُنهك، ورجل مريض يحدّق كل دقيقة في الساعة المعلّقة على الحائط، والتي يبدو أنها أضحت بطيئة الحركة. يساوره الشك، فيفتح ساعة جواله… ويا للأسف، نفد شحنه!
“كم تبقّى على الساعة الثالثة والنصف؟”
تسأل إحداهن وقد ألقت مروحتها اليدوية بضجر، في محاولة يائسة لتخفيف وطأة الحر عن جسدها المتململ بعد طول قعود. ينتهز البعوض الفرصة فيهجم عليها بضراوة، فتستسلم له قليلًا قبل أن تهبّ لتذود عن رضيعها.
يكرر أحدهم السؤال نفسه، مردفًا إياه بشتيمة يمرّ وقعها على أفراد الأسرة كترنيمة صباح؛ فقد مسّهم الضر، وأحرقت برودة أعصاب أهل الشأن ما تبقى من صبرهم.
لكن الساعة تجاوزت الثالثة والنصف، وقد نال التعب والإعياء من الجميع. استلقوا على الأرض، غارقين في بركة عرق آسنة، بينما البعوض ينهش أجسادهم بلا رحمة، وكأنك تشاهد مشهدًا من مشاهد تعذيب كفار قريش للمسلمين في فيلم الرسالة.

“كم تبقّى على الساعة الرابعة؟”
في تلك الأثناء، كان المناوب على التيار الكهربائي يغطّ في نوم عميق، أو منشغلًا بمحادثة مهمة، أو ربما كان مزاجه لا يسمح له بتغيير “سكّينة الكهرباء” في موعدها. وربما كان خاطره مكسورًا، فأراد أن يكسر بخاطره خواطر كثيرين. أو لعلّ بينه وبين أحد قاطني المنطقة خصومةً ما، فلم يُرد تفويت فرصة الانتقام.
لا نعلم تحديدًا سرّ هذا التباطؤ، لكنه — كغيره — يريد أن يأخذ حصته من التعذيب، وأن يضع الناس تحت رحمته.
الكهرباء هنا جرحٌ نازف، لا يتذكّره المعنيون بأمره إلا حين يأتي الصيف. يمضي الشتاء بشهوره الطويلة وهم في سباتٍ بارد، ثم يحضر الحرّ ليكشف عوار منظومةٍ متهالكة، ووعودٍ تُستهلك أكثر مما تُنفَّذ.
أما منظومة الكهرباء، فما تزال تُدار بالعقلية ذاتها منذ سنوات، رغم كل التحولات والتغييرات التي شهدتها المحافظة؛ عقلية تُشبه إدارة “ماطور حارة” لا مؤسسة خدمية يُفترض أنها تمسّ حياة الناس وكرامتهم.
فخلال ليلٍ يمتد اثنتي عشرة ساعة، لم يكن نصيبهم من الكهرباء سوى ثلاث ساعات فقط، تتخللها جرعتا انطفاء: أول الليل… وآخره!

إغلاق