اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

السعودية… هندسة التوازنات بصمت القوّة

السعودية… هندسة التوازنات بصمت القوّة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
15 مايو 2026

لم تكن المملكة العربية السعودية يومًا دولة تندفع خلف الانفعالات العابرة أو الشعارات المرتفعة، بل دولة تُدار بعقل استراتيجي طويل النفس، يفهم كيف تُصنع موازين القوى، وكيف تُرسم خرائط المستقبل بهدوءٍ أشد تأثيرًا من الضجيج.

ولهذا فالكثيرون أخطأوا في قراءة السياسة السعودية خلال العقود الأربعة الماضية مع إيران، لأنهم كانوا ينظرون إلى المشهد بعين الصراع المباشر فقط، بينما كانت الرياض تنظر إليه بعين “إدارة التوازنات” لا بعقلية ردود الأفعال المؤقتة.

فالسعودية فهمت مبكرًا أن المنطقة لا تُدار بالشعارات، بل بتوازن القوة، وأن أي انفجار شامل في الخليج ستكون كلفته على الجميع كارثية، ولهذا حافظت المملكة على خيط دقيق جدًا بين الردع والانفجار، وبين الحزم واحتواء الفوضى.

فعندما دعمت الاستقرار الإقليمي، لم يكن ذلك ضعفًا…
وعندما فتحت قنوات التهدئة، لم يكن استسلامًا…
وعندما رفعت جاهزيتها العسكرية، لم يكن استعراضًا…

بل كانت تتحرك وفق مدرسة سياسية مختلفة:
“إبقاء كل الخيارات مفتوحة دون خسارة الموقع الاستراتيجي.”

واليوم تتجلى هذه المدرسة بوضوح أكبر من أي وقت مضى.

فالولايات المتحدة نفسها — رغم تبدل الرؤساء — لم تعد تتعامل مع الشرق الأوسط بعقلية الحروب التقليدية فقط، بل بعقلية إعادة توزيع النفوذ العالمي، خصوصًا في ظل الصعود الصيني والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري الهائل.

ومن هنا يمكن فهم التحركات الأمريكية الأخيرة تجاه الصين، والرسائل المتبادلة، واللقاءات الكبرى، والدعوات السياسية التي تبدو ظاهرها دبلوماسيًا بينما تحمل في باطنها إعادة رسم لتوازنات العالم القادم.

واشنطن تريد احتواء الصين…
لكنها في الوقت نفسه لا تريد انفجارًا شاملًا في الشرق الأوسط يُربك الاقتصاد العالمي.

ولهذا تبقى السعودية بالنسبة للأمريكيين وللعالم كله “العقدة الأكثر استقرارًا” في منطقة مضطربة.

أما إيران…
فالجميع يعلم أن الملف النووي ليس هو القصة الكاملة.

المعادلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير:
من يملك القدرة على التأثير في طرق الطاقة؟
ومن يتحكم بالممرات البحرية؟
ومن يستطيع تهديد الاقتصاد العالمي أو حمايته؟

وهنا يظهر الفارق بين العقلية السعودية والعقليات الأخرى في المنطقة.

فالسعودية لا تتحرك بعقلية “الضربة والانفعال”، بل بعقلية:
كيف تحافظ على الردع دون حرق المنطقة؟
وكيف تُبقي على مصالحها وتحالفاتها دون الانجرار للفوضى الشاملة؟

ولهذا رأينا الرياض خلال السنوات الأخيرة تبني علاقات معقدة ومتوازنة مع واشنطن، وبكين، وموسكو، وحتى مع طهران نفسها، دون أن تتخلى عن ثوابتها الأمنية أو مصالحها العليا.

إنها سياسة “تعدد المسارات”…
لا الارتهان الكامل لمحور واحد.

وهذا تحديدًا ما جعل السعودية اليوم قوة يُعاد حسابها عالميًا، لا مجرد دولة نفطية كما كان يُنظر إليها قديمًا.

فهي تعيد بناء:

* موانئها.

* صناعاتها العسكرية.

* شبكاتها اللوجستية.

* نفوذها البحري.

* تحالفاتها الاقتصادية.

* ومكانتها كصمام أمان للطاقة العالمية.

والأهم من ذلك…
أنها تفعل كل هذا دون ضجيجٍ ثوري، أو شعاراتٍ عاطفية، أو مغامراتٍ غير محسوبة.

فالسياسة السعودية الحديثة تبدو وكأنها تقوم على قاعدة واضحة:
“الهدوء في الخطاب… والحسم في بناء القوة.”

ولهذا فإن من يقرأ المشهد بعمق سيدرك أن المملكة لا تتحرك كردة فعل على حدث هنا أو أزمة هناك، بل تنفذ مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى لإعادة تموضعها كقوة محورية في النظام العالمي الجديد.

وفي عالم يموج بالصراعات والانقسامات…
تبدو السعودية وكأنها تبني بهدوء “مركز الثقل القادم” للمنطقة بأسرها.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق