تقرير خاص لـ”” يكشف: الكهرباء في عدن بين الانهيار وشح الوقود وصراع إداري يزيد الأزمة تعقيداً –
تاربة اليوم
2026-05-15 04:50:00
تقرير خاص لـ”” يكشف: الكهرباء في عدن بين الانهيار وشح الوقود وصراع إداري يزيد الأزمة تعقيداً
الخميس 14 مايو 2026 – الساعة:19:50:31
( / تقرير – غازي العلوي 🙂
وزير الكهرباء يحذر من صيف “كارثي” في عدن
النفط يشعل مواجهة جديدة بين حضرموت والحكومة
كهرباء عدن رهينة الوقود والصراع على العائدات
الحكومة تفشل في احتواء أسوأ أزمة كهرباء منذ سنوات
خلافات الوقود تعرقل خطط إنقاذ الصيف في عدن
الخنبشي يوقف النفط.. وعدن تدفع الثمن
تعيش العاصمة عدن واحدة من أصعب الأزمات الخدمية والإنسانية في تاريخها الحديث، مع الانهيار شبه الكامل لمنظومة الكهرباء بالتزامن مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات قياسية، في مشهد يعكس حجم التدهور الذي تعيشه المدينة على مختلف المستويات.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت أزمة الكهرباء من مشكلة خدمية مزمنة إلى أزمة وجودية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، بعد أن وصلت ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى أكثر من 22 ساعة يومياً مقابل ساعتين فقط من التشغيل، في ظل عجز حكومي واضح عن إيجاد حلول عاجلة، وتصاعد الخلافات السياسية والإدارية حول ملف الوقود المخصص لمحطات التوليد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار شامل للخدمات الأساسية، خصوصاً القطاع الصحي والمياه والاتصالات، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية قد تضرب المدينة إذا استمرت الأزمة خلال ذروة الصيف.
صيف ملتهب ومنظومة منهكة
منذ بداية ارتفاع درجات الحرارة، بدأت مؤشرات الانهيار تظهر بوضوح على شبكة الكهرباء في عدن، حيث شهدت المدينة سلسلة من الأعطال الفنية والتوقفات المفاجئة لمحطات التوليد، نتيجة تقادم البنية التحتية ونقص الوقود وغياب الصيانة الدورية.
وتؤكد مصادر فنية أن المنظومة الكهربائية في المدينة أصبحت تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، إذ لم تعد قادرة على تحمل أي خلل فني ولو بسيط، الأمر الذي تسبب في خروج المنظومة بالكامل أكثر من مرة خلال أقل من أسبوع.
وكانت آخر هذه الحوادث التوقف الكامل الذي شهدته المدينة إثر انفجار “مفتاح الشعب 2” في محطة الحسوة، وهو الخلل ذاته الذي تكرر سابقاً دون أن تتم معالجته جذرياً، ما أثار موجة غضب واسعة داخل مؤسسة الكهرباء وبين المواطنين.
ويرى مختصون أن تكرار الأعطال في النقاط نفسها يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المنظومة الكهربائية، وغياب أي خطط حقيقية للصيانة أو تطوير الشبكة، رغم التحذيرات المستمرة منذ سنوات من انهيار وشيك للمنظومة.
أزمة الوقود.. قلب الانهيار الحقيقي
ورغم الأعطال الفنية المتكررة، إلا أن العامل الأبرز في تفاقم الأزمة يتمثل في نقص الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد، وعلى رأسها محطة “بترومسيلة” أو ما تُعرف بمحطة “الرئيس”، التي تعد أكبر محطة كهرباء في عدن بقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 264 ميجاوات.
وتعتمد الحكومة بشكل أساسي على النفط الخام القادم من حقول حضرموت ومأرب وشبوة لتشغيل هذه المحطة، إلا أن تدفق هذه الإمدادات أصبح محل خلاف سياسي وإداري معقد، تسبب في تعطيل جزء كبير من القدرة التوليدية للمحطة.
ووفقاً لمسؤولين في مؤسسة الكهرباء، فإن ما يقارب 130 ميجاوات من قدرة المحطة متوقفة حالياً بسبب نقص النفط الخام، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوة العجز بين الإنتاج والاستهلاك.
في المقابل، تؤكد مصادر في قطاع الكهرباء أن حجم الأحمال في عدن تجاوز مؤخراً 650 ميجاوات، بينما لا يتجاوز حجم التوليد الفعلي 270 ميجاوات نهاراً، وينخفض ليلاً إلى نحو 190 ميجاوات فقط، ما يجعل الانقطاعات الطويلة أمراً حتمياً.
الخنبشي يشعل الأزمة
تصاعدت حدة الجدل والغضب الشعبي والسياسي بعد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، والتي ربط فيها استمرار تدفق النفط الخام إلى عدن بمنح محافظة حضرموت نسبة مالية محددة من قيمة النفط المنقول.
وخلال اجتماع استثنائي للمكتب التنفيذي بساحل حضرموت، بحضور عدد من الوزراء، أوضح الخنبشي أن المحافظة تضررت بشكل كبير نتيجة سحب كميات ضخمة من الديزل والمازوت المنتج من شركة “بترومسيلة” لصالح محطات الكهرباء في المحافظات المحررة.
وأشار إلى أن حضرموت كانت تحصل سابقاً على نحو 600 ألف لتر يومياً من الوقود المخصص للكهرباء، قبل أن تتراجع الكمية إلى نحو 200 ألف لتر فقط، محذراً من أن المحافظة مقبلة هي الأخرى على صيف صعب.
غير أن الجزء الأكثر إثارة للجدل في تصريحات الخنبشي تمثل في مطالبته الحكومة بدفع 20 دولاراً عن كل برميل نفط خام يتم نقله إلى عدن، أو منح حضرموت نسبة 20% من قيمة هذه الكميات، باعتبارها “نفطاً مصدّراً خارج المحافظة”، مهدداً بإيقاف الإمدادات في حال عدم الاستجابة.
هذه التصريحات اعتبرها كثيرون بمثابة ضربة قاسية لجهود تحسين الكهرباء في عدن، خصوصاً أن محطة بترومسيلة تعتمد بشكل كامل تقريباً على النفط الخام القادم من حضرموت.
غضب داخل مؤسسة الكهرباء
أثارت مواقف الخنبشي ردود فعل غاضبة داخل قطاع الكهرباء، حيث شن المتحدث الرسمي لكهرباء عدن نوار أبكر هجوماً لاذعاً على ما وصفه بـ”تعطيل متعمد” لإنتاج الكهرباء.
وقال أبكر إن نحو 130 ميجاوات من محطة الرئيس متوقفة بسبب عدم وجود جهة قادرة على إقناع الخنبشي بزيادة مخصصات النفط الخام للمحطة، مضيفاً باستغراب أن “لا المجلس الرئاسي ولا الحكومة استطاعا الضغط عليه”، متسائلاً عمّا إذا كان ذلك لا يُعد تمرداً على الدولة.
وفي تصريحات أخرى، انتقد أبكر بشدة اعتبار النفط المتجه إلى عدن “نفطاً مصدّراً للخارج”، ساخراً بالقول إن عدن ليست “في سويسرا” وإنما ضمن الجغرافيا اليمنية نفسها.
كما أشار إلى ما وصفه بتناقض المواقف السياسية تجاه ملف النفط، معتبراً أن الأطراف التي تعرقل اليوم تزويد عدن بالوقود قد تكون نفسها التي ستوافق مستقبلاً على تقاسم عائدات النفط ضمن أي تسويات سياسية محتملة.
الحكومة في دائرة الاتهام
وفي خضم الأزمة، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي بسبب ما يصفه مراقبون بـ”العجز المزمن” عن إدارة ملف الكهرباء.
وقال المسؤول الإعلامي بوزارة الكهرباء محمد حسن المسبحي إن القيادة السياسية أخفقت في تنفيذ الحلول الإسعافية التي كان من المفترض إنجازها قبل الصيف.
وأوضح أن الوقت ضاع بين الاجتماعات والتصريحات والوعود دون اتخاذ خطوات عملية حقيقية، بينما تُرك المواطن وحده يواجه “جحيم الحر والظلام”.
وأضاف أن ما يحدث حالياً هو نتيجة طبيعية لسنوات من التأجيل وغياب القرار الجاد، حتى أصبحت المنظومة الكهربائية عاجزة عن الصمود أمام أي خلل أو ضغط إضافي.
كما عبّرت مصادر عاملة في قطاع الكهرباء عن استيائها من تجاهل مجلس القيادة الرئاسي للأزمة، مشيرة إلى أن المجلس عقد اجتماعات متتالية مؤخراً دون التطرق بشكل جدي إلى معاناة السكان في عدن والمحافظات المجاورة.
وعود حكومية مهددة بالفشل
وكان وزير الكهرباء عدنان الكاف قد أعلن مطلع العام الجاري خطة لتحسين خدمة الكهرباء خلال الصيف، تقوم على رفع القدرة التشغيلية لمحطة بترومسيلة وتأمين الوقود اللازم لها.
وأشار الوزير حينها إلى أن الوزارة تستهدف تقليص ساعات الانقطاع إلى ثلاث ساعات مقابل ساعتين تشغيل، معتبراً أن ذلك سيمثل تحسناً ملموساً مقارنة بالأوضاع الحالية.
غير أن استمرار أزمة الوقود ورفض زيادة الإمدادات النفطية للمحطة جعلا هذه الوعود تبدو بعيدة المنال، خصوصاً مع تأكيد الوزير نفسه أن المحطة تحتاج إلى نحو 30 قاطرة يومياً من النفط الخام لتشغيلها بكامل طاقتها.
وزير الكهرباء عاد ليؤكد الآن أن الصيف في عدن سيكون كارثياً على ابناء عدن وأنه أبلغ الرئيس ورئيس الحكومة بذلك..
معاناة إنسانية تتفاقم
لا تقتصر آثار أزمة الكهرباء على انقطاع التيار فقط، بل تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة اليومية في عدن، حيث بات السكان يعيشون أوضاعاً معيشية وصحية صعبة للغاية.
فمع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، أصبحت المنازل أشبه بأفران مغلقة، خصوصاً في الأحياء الشعبية المكتظة، في ظل غياب وسائل التبريد وانعدام القدرة على تشغيل المراوح أو أجهزة التكييف.
كما تواجه المستشفيات والمراكز الصحية تهديدات خطيرة نتيجة الانقطاعات الطويلة، إذ قد يؤدي استمرار الأزمة إلى توقف أجهزة الغسيل الكلوي وحضانات الأطفال وأجهزة العناية المركزة، ما يهدد حياة آلاف المرضى.
وتؤثر الأزمة كذلك على خدمات المياه، بسبب توقف مضخات الضخ، بالإضافة إلى تعطل شبكات الاتصالات والإنترنت في كثير من الأوقات، الأمر الذي يضاعف من معاناة السكان ويشل مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المخاوف من ارتفاع حالات الإجهاد الحراري والإغماءات، خصوصاً بين كبار السن والأطفال والمرضى.
أزمة تتجاوز الكهرباء
فالخلافات حول عائدات النفط وتوزيع الوقود كشفت هشاشة العلاقة بين السلطات المركزية والمحافظات النفطية، وأظهرت مدى تأثير الصراعات السياسية على حياة المواطنين والخدمات الأساسية.
كما أن استمرار الانهيار دون حلول حقيقية يهدد بتآكل ما تبقى من ثقة الشارع بالحكومة والسلطات القائمة، خصوصاً مع تكرار الوعود التي لا تتحقق عاماً بعد آخر.
مستقبل غامض وصيف مفتوح على الاحتمالات
حتى الآن، لا تبدو في الأفق أي مؤشرات جدية على قرب انفراج الأزمة، في ظل استمرار نقص الوقود، وتكرار الأعطال الفنية، وغياب المعالجات الحكومية العاجلة.
ومع دخول الصيف ذروته ، يخشى سكان عدن أن تتحول الأزمة إلى كارثة شاملة تمس مختلف جوانب الحياة، خصوصاً إذا استمرت الانقطاعات الطويلة وانهارت ما تبقى من القدرة التشغيلية لمحطات الكهرباء.
وبين تبادل الاتهامات والصراع على النفط وعجز الحكومة، يبقى المواطن في عدن الطرف الأكثر تضرراً، يواجه حرارة الصيف القاسية والظلام الطويل، وسط شعور متزايد بأن المدينة تُترك لمصيرها دون حلول حقيقية أو أفق واضح لإنهاء معاناتها.







