حضرموت بين الاستقطاب الداخلي وتقلبات النفوذ
بقلم | العميد محمد علي بن قصقوص الجريري
الاربعاء 13 مايو 2026
أصبحت حضرموت اليوم في قلب الأحداث، نتيجة تحولها إلى ساحة صراع ونفوذ غير مسبوق، هذه الأرض ذات الهوية الضاربة في عمق التاريخ لم تعد تواجه أطماع الخارج فحسب، بل باتت تعاني من “ارتهان الداخل” حيث يندفع بعض أبنائها لتقاذف قرارها وتحويل ثقلها الاستراتيجي إلى ورقة في يد أطراف إقليمية متعددة، يسعى كل منها لتوظيف الجغرافيا الحضرمية لخدمة أجنداته الخاصة.
إن المشكلة الراهنة لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى خطر يمس النسيج الاجتماعي والسياسي الحضرمي. فبينما يتمسك الغيورون بخصوصية الهوية، يهرول آخرون لربط مصير هذه الأرض بمشاريع ونفوذ قوى خارجية، مما يضع حضرموت في موقع “التابع” لا “الفاعل” ويجعل مستقبلها مرهونا بتقلب النفوذ والتحالفات الإقليمية.
إن الأمر الذي لا يمكن تجاهله أن حضرموت ليست ساحة فراغ ينتظر من يملأه، وليست “تركة” تُعرض في مزادات السياسة، إنها كيان تاريخي واجتماعي متكامل الأركان، وأبناؤها هم الأحق والأجدر بصياغة مستقبلها بعيدا عن منطق “التبعية والوكالة” ومن هنا تأتي الحاجة الملحة لتجاوز الانقسامات التي لا تخدم إلا من يسعى لإضعاف حضرموت وتفتيت وحدتها وتشتيت قرارها.
إن المسؤولية الملقاة اليوم على عاتق النخب والمشايخ والمكونات السياسية الحضرمية تتمثل في الصمود أمام إغراءات الاستقطاب، والابتعاد عن التأثر بأطراف إقليمية متباينة.
المطلوب هو بناء “موقف حضرمي خالص” يستند إلى مصلحة الأرض أولا وأخيرا، موقف يرفض أن تكون حضرموت مجرد ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة، ويصون كرامة الإنسان الحضرمي فوق أي اعتبار.
إن الاتفاق على “مشروع حضرمي جامع” لا يعني إلغاء الاختلافات، بل يعني تنظيمها ضمن إطار يحمي السيادة الحضرمية ويمنحها القدرة على تعزيز مكانتها.
فالمجتمعات التي تنجح في تجاوز الأزمات هي التي تدرك أن تحصين الداخل هو الدرع الأقوى ضد التدخلات الخارجية، وأن الهوية المستقلة هي الصخرة التي تتحطم عليها كل الرهانات الخاسرة.
حضرموت اليوم تنادي أبناءها ليُغلّبوا صوت العقل، ويؤمنوا بأن المستقبل لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع في الداخل عندما يلتقي الجميع على كلمة سواء وعنوان واحد لا يقبل القسمة “قرار حضرموت بيد أهلها”.






