اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

وراء الكهرباء ما وراءها: لغز المعاناة في حضرموت “النفطية”

وراء الكهرباء ما وراءها: لغز المعاناة في حضرموت “النفطية”

بقلم | د.هادي سعيد بارفعة
الإثنين 4 مايو 2026م

​يضرب العرب المثل قائلين: “وراء الأكمة ما وراءها”، للدلالة على أن خلف الظاهر الواضح خفايا مستورة، وأسراراً تُحاك في العتمة. واليوم، يجد المواطن الحضرمي نفسه يردد هذا المثل بحرقة كلما انطفأ التيار الكهربائي، ليصبح العنوان الأنسب لمأساتنا هو: “وراء الكهرباء ما وراءها”.
و​من الغرائب التي لا يستوعبها عقل، أن تعيش حضرموت—التي ترفد ميزانية الدولة وتصدر النفط من جوف أرضها—في ظلام دامس. إنها المفارقة التي تجعلنا نتساءل: كيف يعجز “النفط” عن إضاءة المصابيح في المحافظة التي تنتجه؟
والنظر بعمق يرى ​أن مشكلة الكهرباء في حضرموت لم تعد مجرد “عجز فني” أو “تهالك مولدات”، بل تحولت إلى ملف شائك تتقاذفه الأطراف، وتغيب فيه الشفافية، ليصبح “انقطاع التيار” هو القاعدة، و”بقاؤه” هو الاستثناء الجميل.
وهنا ​خلف كل أزمة طاقة، يبرز ملف المحروقات (الديزل والمازوت) كأحد أكبر الثقوب السوداء. فالمواطن يسمع عن وصول شحنات، وتخصيص ميزانيات، ومع ذلك تظل محطات التوليد تشكو “نفاد الوقود”.
​هنا بالفعل تبرز “الأكمة” الحقيقية؛ حيث تثار التساؤلات حول آليات التوزيع، والكميات التي تذهب فعلياً للمحطات مقابل تلك التي قد تُسرب لأسواق أخرى أو تُستخدم كأدوات للضغط السياسي والمادي. إن التلاعب بقوت المحطات هو تلاعب بأعصاب الناس وصحتهم، خاصة في ظل الصيف القاتل الذي يفتك بمرضى السكر والضغط وكبار السن.
​لقد بات من الواضح أن الكثير من الانقطاعات ليست ناتجة عن خلل تقني، بل هي أزمات مُختلقة وموقوتة بعناية. تُستخدم الكهرباء أحياناً كأداة للمساومة، أو للهروب من استحقاقات معينة، أو للتغطية على قضايا أخرى.
و​عندما يخرج المسؤولون بوعود عرقوبية، ثم تتبخر مع أول “صيف ساخن”، ندرك تماماً أن هناك ما وراء الأكمة، وأن الملف لم يعد خدمياً بحتاً، بل صار ورقة سياسية واقتصادية رابحة في يد مراكز القوى التي لا تبالي بصرخات الأطفال في بيوتٍ تحولت إلى أفران.
​إن الخروج من نفق الظلام لا يكون بالحلول “الترقيعية” أو بشراء الطاقة المكلفة التي تستنزف موارد المحافظة، بل بـ:
​الشفافية المطلقة ، و​الاستثمار في البدائل، و​محاسبة المتلاعبين، وإنهاء سطوة “سماسرة الحروب” الذين يزدهرون مع كل أزمة وقود.
إن المواطن في حضرموت لم يعد يطلب المستحيل، بل يطلب حقه الطبيعي من خيرات أرضه. وستظل العبارة تتردد: “وراء الكهرباء ما وراءها”، حتى تشرق شمس الحقيقة، وتُضاء البيوت بكهرباء لا تخضع للمساومات، ولا تختفي خلف “أكمات” الفساد والمصالح الضيقة.

إغلاق