الإمارات الحاسمة… والسعودية التائهة: قراءة في مسار التحالف وأزمة القرار
بقلم / صالح برك الجابري
الاحد 3 مايو 2026
منذ إعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن عام 2015، بدت الأهداف المعلنة واضحة: استعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، وإعادة التوازن إلى الإقليم. غير أن مسار السنوات العشر الماضية كشف عن تباين عميق في الرؤية والاستراتيجية بين طرفي التحالف الأبرز: السعودية والإمارات. تباينٌ لم يكن في الوسائل فحسب، بل في فهم طبيعة الصراع وحدود نهايته.
الإمارات، منذ دخولها المشهد، تعاملت مع الحرب بوصفها مرحلة انتقالية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فالحروب الطويلة، كما يقرر علم السياسة، “تُستنزف فيها الإرادات قبل الموارد”، وتتحول من أدوات للحسم إلى بيئات للفوضى. لذلك، رسمت أبوظبي لنفسها سقفًا واضحًا: تحقيق مصالح استراتيجية قابلة للاستدامة، ثم الخروج من دائرة الاستنزاف المفتوح.
ومع تعقّد المشهد، خاصة بعد التدخل الدولي الذي حال دون سقوط ميناء الحديدة — الشريان الحيوي الذي يتنفس منه الحوثي — أدركت الإمارات أن إرادة الحسم لم تعد محلية، وأن ميزان القوى لم يعد يُدار فقط من داخل اليمن. هنا تغيّر المسار: من محاولة استعادة دولة موحدة إلى البحث عن ترتيبات واقعية تضمن المصالح وتحد من الخسائر.
فكان التوجه نحو الجنوب، حيث دعمت نشوء كيان سياسي وعسكري منظم، يمتلك مشروعًا واضحًا، وقاعدة شعبية، وعلاقة تحالف وثيقة معها. هذا التوجه لم يكن عاطفيًا، بل براغماتيًا بامتياز؛ فالدول — كما يقول المفكر السياسي هانز مورغنثاو — “لا تحكمها الأخلاق المجردة، بل تحكمها المصالح المعرّفة بالقوة”. ومن هذا المنطلق، بدا أن دعم كيان جنوبي مستقر، غني بالموارد، وحليف موثوق، يحقق للإمارات معادلة: الاستقرار مقابل النفوذ، والمصالح مقابل الدعم.
في المقابل، بدت السعودية وكأنها تتحرك داخل دائرة من التردد الاستراتيجي. فمنذ ما بعد وحدة 1990، اعتمدت سياسة النفوذ غير المباشر عبر دعم مشايخ القبائل، خصوصًا من حاشد وبكيل، لضمان حضورها في القرار اليمني، دون أن تستثمر فعليًا في بناء دولة مستقرة اقتصاديًا أو سياسيًا. وهي سياسة قد تحقق تأثيرًا آنياً، لكنها — كما أثبتت التجربة — تضعف بنية الدولة وتُبقيها رهينة التوازنات الهشة.
وحين سقطت صنعاء بيد الحوثيين، بدا المشهد وكأنه نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة، لا مجرد حدث مفاجئ. ثم جاء التدخل العسكري كاستجابة اضطرارية لحماية الحدود أكثر منه مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة. ومنذ ذلك الحين، ظلت الرياض تنتقل من خيار إلى آخر، دون أن ترسو على رؤية حاسمة.
تحالفات متغيرة، دعم لقوى متباينة، صراع مع شركاء ميدانيين فاعلين، ثم عودة للتفاوض مع الخصم ذاته؛ كل ذلك يعكس حالة من التردد لا تليق بدولة بحجم وتأثير المملكة. بل إن المفارقة الأبرز تكمن في الانتقال من مواجهة الحوثي إلى محاولة التفاهم معه، رغم كونه امتدادًا لمشروع إقليمي مناوئ.
وفي خضم هذا التذبذب، خَسرت السعودية جزءًا من حلفائها الطبيعيين، خاصة في الجنوب، حيث تصاعد الشعور بأن قضيتهم تُواجَه بالتجاهل أو العداء، رغم وضوحها وثباتها. وهو ما يتناقض مع قاعدة سياسية بسيطة تقول: “لا يمكنك كسب معركة وأنت تخسر حلفاءك”.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب، لا يزال السؤال الجوهري قائمًا: ماذا تريد السعودية من اليمن؟ هل تسعى إلى دولة موحدة بأي ثمن؟ أم إلى حدود آمنة فقط؟ أم إلى توازن هش يضمن عدم ظهور تهديد مباشر؟ غياب الإجابة الواضحة هو ما يفسر حالة “التيه” التي تبدو عليها السياسة السعودية في هذا الملف.
في النهاية، لا تُقاس السياسات بالنيات، بل بالنتائج. والإمارات — بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها — قدّمت نموذجًا لدولة حددت أهدافها، ثم تحركت لتحقيقها وفق معادلة واضحة. أما السعودية، فما تزال — حتى اللحظة — تبحث عن تعريف دقيق لما تريده من اليمن، وفي هذا البحث الطويل، تتآكل الخيارات، وتُستنزف الفرص.
ويبقى اليمن، بكل تعقيداته، مرآةً تعكس نجاح الرؤى حين تكون حاسمة، وفشلها حين يغيب عنها الوضوح.






