في تعرجات الحروف
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : إيناس محمد بارجاش
3 مايو 2026
عند التفكير في مفهوم القراءة سرعان ما يتبادر إلى ذهني التواضع أمام الآخرين لا الترفع والتعالي بالعلم فالذي يقرأ عليه أن يوزع الحروف على المارة لا أن يحتفظ بها لنفسه ؛ لذلك أود أن أمسك بجمعٍ غفيرٍ ممن لم يتلذذ بعد بالقراءة بصدق كمن يتناول وجبةّ شهيةً لا يكل ولا يملُ عن قضمها ومضغها بنهم.
فالقراءة ليست صفحاتٍ تمر على أناملنا أيامًا لنهجرها هجرًا قاسيًا بين الفينة والأخرى، وهي ليست صديقًا تقطعنا صروف الأيام عنه ؛ لأن لحظات القطيعة مع الورق ما هي إلا مشنقة نشيدها لنعدم أرواحنا ببطء، فأرجو أن استرد روحي من كومة الانقطاعات تلك أيضًا.
وإن كانت العودة للكتب استفاقةٌ بعد موتٍ ضارم، فإن ما قاله العقَّاد “لكننا حين نقرأ نعيش ألف حياة”. يدفعني للتساؤل : هل يعيش الذين لا تستهويهم الكتبُ اصلًا؟
كم أخاف أن استيقظ على كابوس اندثار الورق فالذين يقرؤون الصحف ذهبوا وذهبت الصحف معهم واصبحت الشاشات المضيئة هي الشاهد الوحيد عليهم، فلا ارجو أن يصيب الكتب ما أصاب الصحف اليوم فتصيرَ في غياهب الجُبِّ كما كُتِبَ ليوسف بل أرجو أن يكون الفرج عظيمًا والنجاة على القدر قسوة الهجر التي تعرضت له الكتب فتستلها قافلة كقافلة العزيز ويُلعى بها علوًا يثير الدهشة.
وفي الحقيقة يتخللني معتقدٌ خالص منذ مدة وهو أن القارئ لا يشعر أنه يقرأ بصدق إلا إذا تحسس ملمس الصفحات واطراف الورق وكتب عشرات الملاحظات بأنامله على وجه الكتاب لا على الشاشات وأظن أن هنالك اتفاق أو اجماع مسبق بين القُرَّاء على ذلك لسببٍ ما
بل أن امتلاكَ مكتبة كبيرة مليئة بكل أنواع الكتب وعشرات النسخ من الكتاب الواحد هو حلمٌ بادرني منذ الطفولة قبل أن أضيف إليها أمنية اندثار الكتب الرقمية لأنها مجهدة للعينين لنعود إلى عصر المكتبات والاستعارات والمقايضات بالكتب فأجمل اشكال الاستثمار المادي هي الاستثمار في المعرفة.
ثم إن النظر لاندثار عادة المقايضة بالكتب يعيدني إلى التأمل في الأوقات التي حظيت بها تلك الأوقات، قد كانت نتاجًا عن رغبة بشرية معمقة في تبادل العلم النافع بعلم أو بأشياءَ أخرى مقابل المعرفة -فأجمل أشكال الرفاهية هي التي تحاوطها الحروف-.
على الرغم من أنه سلوكٌ بسيط لكن عند التأمل في طياته فإنه يحمل آليةَ تفكيرٍ تضاءلت بشكلٍ هائل.. هذه العادة السلوكية تعني ضعف الوعي والتعطش اليوم إلى أهمية المعرفة والتوسع الثقافي إلا عن طريق المحتوى الاستهلاكي السريع الذي نتج عنه تعفن الدماغ كما يشير إليه الاخصائيون مؤخرًا في.
اليوم من المفترض أن نستشعر المفاهيم التي ترددت على مسامعنا منذ الصغر عن أهمية القراءة كحاجةٍ أساسيةٍ لتوظيفها من أجل نمو حضاراتنا فكريًا وتقدُّمها فعليًا، فقد يبدو ما كُتب هنا شيءٌ يعاد تدويره ولكنني اعتزم على إعادة تدويره من جديد لأننا نعاني من الجمود الفكري في مجتمعاتنا الآن بل اصبحنا كمن ينظر للمعرفة الفكرية على أنها فردٌ يستحال الوصول إليه أو أننا ملكنا ما يكفي من العلم فنستسلم لما نملك عالقين في فضاءٍ واحد لا سعة تزيده اتساعًا ولا مبلغ يبلغه لتصاعد معارفنا.
بتنا تتسم بالجمود وهو بلاءٌ يحول بينا وبين التقدم والبقاء في الخلف بصورة الطفل الذي اعتادت أن تدهشه منجزات العالم بعد أن اختار البقاء خلف ظلٍ هامشي شاهدٍ على تقدم العالم فيتداعى حاله دون أن يدرك مصيبته.
قرأت قبل مدة خبرًا عن استبدال الأنامل الصحفية بآلات الذكاء الاصطناعي وبعد عدة أشهر سمعت خبرًا آخر يقول أن بعض الكُتَّاب أصبحوا ينتجون كتبهم باستخدام تلك الآلة فتملكني حزنٌ وخوفٌ شديد بلغ مبلغًا بي. فإن كنا رمينا الكتب عرض الحائط في منتهى البساطة فهل اصبحنا نرمي التجربة الانسانية أيضًا؟
وإن كانت الأبجدية تشكلت بصورة الانحناءات والتعرجات بعد أن خاضت مخاضًا مليئًا بالمشاعر الإنسانية المتعرجة فهل نسمح للأبجدية التي شكلتها تخبطاتنا أن تفلت من أيدينا بصنيع أيدينا إلى ما لا يشعر ولا يستشعر؟
وأظن أن الجمود الذي اصاب مجتمعاتنا لم يكفينا بعد بل اضفنا إليه التبلد الفكري وهذا يجعلني اطرح تساؤلًا اخيرًا: كيف سيصير وجه العالم بعد أن أصبح يسوق نفسه نحو التبلد؟
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






