بين التوثيق والتوظيف… حين يُعاد رسم تاريخ حضرموت خارج سياقه
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
3 مايو 2026
ليست مهمة البحث التاريخي أن يُرضي الميول، ولا أن يُسوّي بين تجارب مختلفة بدافع المقارنة أو التقريب.
التاريخ علمُ سياقاتٍ وتراكمات، تُقرأ ضمن بيئتها الزمانية والمكانية، وتُفهم عبر مصادرها ومنهجها.
ومن هنا، فإن أي محاولة لربط تاريخ حضرموت بغيره على نحوٍ يُذيب خصوصيته أو يُساويه قسرًا بكياناتٍ أخرى، هي قراءةٌ تختلّ فيها المنهجية قبل النتائج.
حضرموت ليست صفحةً عابرة في سجل المنطقة، بل كيانٌ تاريخي متماسك، تشكّل عبر قرون من الاستقلال النسبي، والتواصل التجاري، والامتداد الاجتماعي داخل الجزيرة العربية وخارجها.
وقد عُرفت بأطرها السياسية الخاصة، وسلالمها الإدارية، وحضورها الاقتصادي والثقافي الذي منحها تميّزًا لا يُختزل في سرديةٍ عامة.
في المقابل، لكل منطقةٍ في الجزيرة تاريخها ورجالها وإسهامها—ومنها يافع—وهذا لا يُنكر.
لكن تحويل هذا التنوّع إلى معادلة مساواةٍ تاريخية أو محاولة “موازاة” بين كيانين مختلفين في التكوين والمسار، يفتح الباب لخلطٍ معرفي يضرّ بالبحث، ويُربك الوعي العام.
الإشكال لا يقف عند حدود الطرح النظري، بل يتجاوز ذلك حين يُقدَّم عبر منصاتٍ تحمل اسم حضرموت وثقافتها وتراثها.
هنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل يُدار المحتوى وفق معايير علمية خالصة، أم تُساق السردية باتجاهٍ معيّن يُعيد تقديم حضرموت داخل إطارٍ لا يعكس خصوصيتها؟
وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقةً لا يمكن تجاهلها، فإن المال—مهما كان حجمه—يفشل في أن يكون مدخلًا لتطويع التاريخ أو إعادة تشكيله لصالح أهدافٍ غير واضحة تجاه حضرموت.
إن استغلال حاجة الناس في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ حضرموت لتمرير توجهاتٍ مبطّنة، لن يُنتج شرعية، ولن يصنع قبولًا.
ففي حضرموت رجالٌ لا يُشترون، ولا يقبلون أن تكون قضيتهم وسيلةً لأهدافٍ ملتبسة، وموقفهم هذا يعكس رفضًا عامًا لأي محاولة من هذا النوع.
إن المنصات الثقافية ليست مجرد قنوات نشر؛ إنها أدوات تشكيل وعي.
وحين تُطرح عبرها قراءات تُعيد ترتيب الأولويات أو تُخفّف من مركزية حضرموت في تاريخها، فإننا أمام توظيفٍ ناعم لا يقل أثرًا عن الخطاب السياسي المباشر.
لا يتعلق الأمر بانتماء الأشخاص—فذلك شأنٌ خاص—بل بالمسؤولية المهنية حين يُتحدّث باسم حضرموت.
فالمؤسسة التي ترفع اسمها يجب أن تكون مرآةً دقيقةً لهويتها، لا إطارًا يُعاد عبره تأويلها.
لقد عانت حضرموت طويلًا من محاولات تذويب قرارها في مشاريع أوسع،
واليوم تتكرر المحاولة بأدوات أكثر هدوءًا: إعادة الصياغة عبر الثقافة.
وهذا يستدعي يقظةً معرفية تميّز بين التوثيق الذي يحفظ الحقيقة، والتوظيف الذي يغيّرها.
ورأيي الذي أتحمّل مسؤوليته:
حضرموت لا تحتاج إلى من يُعرّفها بغيرها، بل إلى من يحفظ سرديتها كما هي.
وخلاصها لن يأتي من الواجهات أو القراءات المُوجَّهة،
بل من وعي رجالها المخلصين، الذين يصونون تاريخها ويرفعون صوتها حتى يصل إلى حيث يجب –
إلى الداخل أولًا، ثم إلى المجتمع الدولي، وبالأخص إلى دار الحزم والعزم –
لتعود حضرموت إلى مكانتها الطبيعية،
تحت رعاية راية التوحيد.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






