اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الدولة بين التضخم الوظيفي والفعالية المؤسسية: قراءة تحليلية في إشكالية تعدد الوزارات في اليمن وآفاق إعادة الهيكلة الاستراتيجية

الدولة بين التضخم الوظيفي والفعالية المؤسسية: قراءة تحليلية في إشكالية تعدد الوزارات في اليمن وآفاق إعادة الهيكلة الاستراتيجية

تاربة ــ اليوم /كتابات واراء

بقلم / البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ

3 مايو 2026م

تواجه الدولة اليمنية في مرحلتها الراهنة تحديًا بنيويًا عميقًا يتمثل في اختلال هيكلها الإداري وتضخم أجهزتها التنفيذية، بما يعكس فجوة واضحة بين متطلبات الدولة الحديثة وواقع الممارسة المؤسسية. ولم يعد هذا الخلل مجرد مسألة تنظيمية، بل أضحى معيقًا حقيقيًا أمام أي مشروع وطني للنهوض والاستقرار.
إن مفهوم الدولة الحديثة يقوم على الكفاءة، والترشيد، والتكامل الوظيفي، غير أن الواقع اليمني يكشف عن نمط مغاير، حيث تتكاثر الوحدات الإدارية دون ضرورة، وتتوزع الاختصاصات بشكل يفتقر إلى الضبط المؤسسي، الأمر الذي ينتج جهازًا حكوميًا مترهلًا يعجز عن أداء وظائفه الأساسية.
وفي هذا السياق، يُعد التضخم الوزاري أحد أبرز تجليات هذا الخلل، حيث تجاوز عدد الوزارات حدود الحاجة الفعلية، وتحول من أداة تنظيمية إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية، في بيئة يغلب عليها منطق المحاصصة أكثر من منطق الكفاءة.
لقد نشأ هذا الواقع في ظل تحولات سياسية متعاقبة، جعلت من الدولة ساحة لإعادة توزيع النفوذ، بدلًا من كونها إطارًا لتحقيق الصالح العام، وهو ما أدى إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها الوظيفي، وتحويلها إلى هياكل شكلية بلا أثر حقيقي.
وتتجلى مظاهر هذا التضخم في تعدد الوزارات ذات الاختصاصات المتداخلة، كقطاعات التعليم والإعلام والثقافة، حيث تتقاطع المهام دون وجود حدود فاصلة، مما يؤدي إلى ازدواجية في الأداء، وهدر في الموارد، وضعف في المخرجات.
كما أن بعض الوزارات باتت منفصلة عن الواقع الموضوعي للمجتمع، إذ تستمر في الوجود رغم غياب البيئة التي تبررها، وهو ما يعكس غياب التقييم الدوري لجدوى المؤسسات الحكومية، واستمرارها بدافع التوازنات لا الحاجة.
ولا يقتصر الخلل على الوزارات فحسب، بل يمتد إلى الأجهزة التابعة لها من هيئات ومصالح وملحقيات، التي تشكل بدورها طبقات إضافية من البيروقراطية، تزيد من تعقيد المشهد الإداري، وتثقل كاهل الدولة بأعباء تشغيلية متزايدة.
وفي هذا الإطار، يبرز التمثيل الخارجي كأحد مجالات الترهل، حيث تتعدد السفارات والقنصليات والملحقيات دون مردود يتناسب مع كلفتها، في ظل غياب رؤية استراتيجية واضحة لإدارة العلاقات الخارجية.
ومن أوجه الازدواجية اللافتة، وجود كيانات متوازية في الاختصاص، مثل وزارة الخارجية ووزارة المغتربين، الأمر الذي يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا الفصل، وإمكانية دمج هذه الوظائف في إطار مؤسسي أكثر كفاءة.
وعلى المستوى الداخلي، تتعدد الأجهزة الأمنية بمسميات مختلفة، دون وضوح في حدود الاختصاص، مما يؤدي إلى تداخل في الأدوار، ويضعف من فعالية المنظومة الأمنية ككل.
أما في قطاع التعليم، فإن تعدد الجهات المشرفة بين التعليم العام والعالي والمهني يعكس غياب الرؤية التكاملية، ويؤدي إلى تفكك السياسات التعليمية، وعدم انسجام مخرجاتها مع احتياجات السوق والمجتمع.
وفي السياق ذاته، تتوزع الاختصاصات الثقافية والإعلامية والسياحية على وزارات متعددة، في حين أن الواقع يشير إلى محدودية الفعل الثقافي والسياحي، ما يجعل هذا التوزع أقرب إلى الترف الإداري منه إلى الضرورة الوظيفية.
ويُضاف إلى ذلك بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في البنية الإدارية المحلية، حيث تشهد المحافظات بدورها تضخمًا في الهياكل، من خلال تعدد المكاتب التنفيذية، وتكرار الوظائف، وغياب التنسيق الفعَّال بينها.
كما أن موقع المحافظ ذاته، في كثير من الأحيان، يتحول من وظيفة تنفيذية ذات طابع تنموي إلى موقع سياسي يخضع لاعتبارات التوازن، مما يضعف من قدرته على إدارة المحافظة بكفاءة واستقلالية.
وتتكرر هذه الإشكالية في العلاقة بين المركز والمحافظات، حيث يغيب التحديد الدقيق للصلاحيات، وتستمر المركزية في التحكم بالقرار، رغم وجود هياكل محلية يفترض أن تمارس دورها التنفيذي.
ويؤدي هذا الوضع إلى خلق طبقات متراكمة من الإدارة، تتداخل فيها الصلاحيات، وتضيع فيها المسؤوليات، وهو ما يضعف من القدرة على المساءلة، ويُعقِّد عملية اتخاذ القرار.
ومن الناحية الاقتصادية، يشكل هذا التضخم عبئًا ثقيلًا على الموازنة العامة، حيث تستنزف الموارد في تغطية النفقات التشغيلية، بدلًا من توجيهها نحو الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما أن هذا الواقع يسهم في تكريس اختلالات سوق العمل، من خلال توسيع القطاع الحكومي بشكل غير منتج، على حساب القطاعات الحيوية التي يمكن أن تخلق قيمة مضافة حقيقية.
وعلى المستوى الاجتماعي، يفضي ضعف الأداء الحكومي إلى تراجع الثقة في مؤسسات الدولة، ويعزز من مشاعر الإحباط لدى المواطنين، الذين لا يلمسون أثرًا فعليًا لهذا الجهاز الضخم في حياتهم اليومية.
أما من الزاوية السياسية، فإن استمرار هذا النمط من التنظيم يعكس غياب الإرادة الإصلاحية، ويبقي الدولة رهينة لتوازنات قصيرة المدى، على حساب بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار.
وفي البعد الجيوستراتيجي، يضعف هذا الخلل من قدرة الدولة على التفاعل الفعَّال مع محيطها الإقليمي والدولي، ويقيد من إمكانياتها في إدارة ملفاتها الخارجية بكفاءة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشروع وطني شامل لإعادة هيكلة الجهاز الإداري، يقوم على تقليص عدد الوزارات، ودمج المتشابه منها، وإلغاء الكيانات غير الفاعلة، وفق معايير علمية واضحة.
كما يتطلب هذا المشروع إعادة تعريف العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يضمن توزيعًا متوازنًا للصلاحيات، ويعزز من كفاءة الإدارة المحلية، بعيدًا عن منطق الترضية السياسية.
ولا يمكن لهذا الإصلاح أن ينجح دون تبني مبدأ الكفاءة كمعيار أساسي في التعيين، بدلًا من المحاصصة، التي أثبتت التجربة أنها تنتج مؤسسات ضعيفة وعاجزة.
وفي هذا السياق، تكتسب الدراسات العلمية الرصينة أهمية خاصة، ومن بينها الدراسة التي سبق للباحث، وهو كاتب المقال، إعدادها عام 2017م حول تطوير الهيكل الإداري للدولة، والتي تمثل إطارًا تحليليًا يمكن تطويره والبناء عليه في ضوء التحولات والمعطيات الراهنة.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع، في ظل شبكة معقدة من المصالح المتشابكة.
وعليه، فإن إعادة بناء الدولة اليمنية تبدأ من تفكيك هذا التضخم المؤسسي، وإعادة تشكيله على أسس وظيفية رشيدة، تعيد الاعتبار لفكرة الدولة كخادم للمجتمع، لا كعبء عليه.
وفي ختام ما خطه القلم، يبقى السؤال مفتوحًا أمام النخب السياسية والفكرية: هل يمكن الانتقال من دولة الترضيات إلى دولة المؤسسات؟ أم أن هذا التحول سيظل مؤجلًا إلى أجل غير معلوم؟
ربِّ زدني علمًا نافعًا، وفهمًا راجحًا، وبصيرة نافذة، ووفقني لقول الحق والعمل به، وارزقني صحبة الصالحين في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين.

إغلاق