حضرموت.. نداء العقل في مواجهة رياح الفتنة
بقلم / خالد الصيعري
الأحد 3-مايو-2026
ليست الأزمات السياسية مجرد صراع على السلطة، بل هي في جوهرها اختبار لوعي الشعوب. ما تمر به حضرموت اليوم يتجاوز كونه خلافاً عابراً إنه محاولة لجر المحافظة من مربع الاستقرار النسبي إلى نفق الفوضى المظلم. إن المتابع للمشهد يدرك أن ما يُخطط له تحت غطاء “الفعاليات الجماهيرية” هو في الحقيقة مقامرة بمستقبل الأرض والإنسان، وتحدٍ صارخ لمنطق الدولة الذي كافح الحضارمة طويلاً لترسيخه.
أولاً: نقض العهود.. حين يسقط “التوافق”
لقد مثّل اتفاق التهدئة الذي رعته “هيئة التوافق الحضرمي” بارقة أمل لحقن الدماء وتغليب لغة الحوار. لكن، ومع الأسف، لم يكد يجف حبر هذا الاتفاق حتى سارع المجلس الانتقالي إلى تقويضه عملياً. إن العودة إلى لغة التجييش والتحريض الإعلامي لا تعني فقط فشل التفاهمات، بل تعكس استراتيجية “الاستراحة التكتيكية” التي ينتهجها البعض للالتفاف على الالتزامات القانونية والأخلاقية. إن تمزيق الاتفاقات هو أولى خطوات الانزلاق نحو الصدام الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط وحده.
ثانياً: فعاليات مايو.. عناد سياسي بلا أفق
تأتي الدعوات لإقامة فعاليات في المكلا وسيئون في 5 و7 مايو، دون تنسيق مع اللجنة الأمنية، لترسم علامات استفهام كبرى حول الجدوى والمآلات:
تبعية بلا شراكة: يُدفع بشباب حضرموت إلى الساحات في مشروع يفتقرون فيه للتمثيل الحقيقي في دوائر القرار والوظائف السيادية، وكأن دور حضرموت يقتصر على “الحشد” دون “المشاركة”.
استنساخ الفشل: إن محاولة إعادة إنتاج مشهد “4 أبريل” وما خلفه من دماء وانقسام هي جريمة بحق السلم الأهلي. السلمية لا تعني تحدي القانون أو فرض الأمر الواقع بقوة التجييش.
تشتيت الجهود: في وقت تعاني فيه المحافظة من أزمات خدمية ومعيشية، يُستنزف الجهد الشعبي في صراعات سياسية لا تقدم حلولاً للكهرباء أو لقمة العيش.
ثالثاً: حماية المؤسسات.. واجب لا خيار
إن استهداف هيبة السلطة المحلية والأجهزة الأمنية (قيادة المنطقتين الأولى والثانية) هو استهداف لآخر معاقل النظام. المؤسسة الأمنية ليست طرفاً في الصراع السياسي، بل هي السياج الذي يمنع تحول حضرموت إلى ساحة لتصفيات الحسابات الخارجية. إن أي محاولة لزعزعة ثقة المواطن بأمنه هي دعوة مفتوحة للفوضى والمليشيا، وهي نتيجة لن يربح فيها أحد سوى المتربصين باستقرار حضرموت.
رابعاً: الخيار التاريخي.. التعافي أم الانهيار؟
إننا اليوم أمام مفترق طرق لا يقبل الرمادية:
خيار البناء: ويتمثل في الالتفاف حول السلطة المحلية، ودعم المؤسسات العسكرية والأمنية، وتغليب المصلحة الحضرمية العليا فوق كل اعتبار حزبي أو جهوي.
خيار الفتنة: وهو الانجرار خلف دعوات التحدي غير المسؤولة، التي لا تورث إلا الندم والشرخ الاجتماعي الذي يصعب ترميمه.
الخاتمة: حضرموت هي الأبقى
إن حضرموت بوعي أبنائها وتاريخها الضارب في الجذور، أكبر من أن تُختزل في فعالية، وأغلى من أن يُقام على أرضها مزاد سياسي. الرسالة لكل القوى السياسية: من أراد خيراً بحضرموت فليحافظ على أمنها واستقرارها، ومن أراد القوة فليستمدها من احترام القانون لا من خرقه. إن حماية الأرض والإنسان هي النضال الحقيقي، وما دون ذلك ليس سوى عبث بمقدرات وطن لا يحتمل المزيد من الطعنات.
حمى الله حضرموت، وجنبها كيد الكائدين وفتن العابثين






