هل الحوار الجنوبي مسار حقيقي أم مجرد إدارة للوقت؟ قراءة تحليلية
بقلم / عمار العامري
السبت 2 مايو 2026
الخلل في قراءة الحوار الجنوبي–الجنوبي يبدأ من افتراض خاطئ: أنه مسار تسوية نهائي يُفترض أن ينتج اتفاقًا شاملًا في وقت قصير.
بينما الواقع السياسي ونوع الحوار يشير إلى وظيفة مختلفة تمامًا لا تتعلق بالإغلاق السريع للملفات بقدر ما تتعلق بإعادة ترتيبها من الداخل.
ما يجري اليوم لا يظهر كحوار لحسم الخلافات بقدر ما هو عملية إعادة تشكيل للبنية السياسية الجنوبية، فالسؤال الجوهري لم يعد: متى يتفق الأطراف؟ بل أصبح: من يمتلك حق التمثيل الشعبي والشمول الأجتماعي؟ وكيف يعاد توزيع هذا التمثيل بين المكونات المختلفة؟
على هذا النحو، يتحول الحوار من مساحة للتسوية إلى أداة لإعادة تعريف الفاعلين السياسيين أنفسهم، عبر إنتاج اصطفاف أكثر تنظيمًا، أو كتل أكثر وضوحًا، قادرة على الدخول في أي تسوية أوسع قادمة بوزن محسوب ومعالم محددة.
ومن هنا يمكن فهم أن إدارة التعدد، وإعادة توزيع الشرعية الشعبية، وترتيب المشهد الداخلي، ليست نتائج جانبية، بل هي جوهر هذا المسار، أي أن الوظيفة الأساسية للحوار ليست إنهاء الخلاف، بل تنظيمه وإعادة هندسته ضمن إطار سياسي أكثر قابلية للتفاوض لاحقًا.
وبناءً على ذلك، فإن تقييم الحوار لا يجب أن ينحصر في كونه “ناجحًا أو فاشلًا”، بل في فهم الدور الذي يؤديه داخل مرحلة سياسية انتقالية لا تزال قيد التشكل.
في المقابل، هذا التشكيل لا يتحرك في فراغ، بل يتأثر بشكل مباشر بميزان النفوذ والمصلحة المادية، فالأحداث خلال السنوات الماضية أضعفت كثيرًا من المكونات التقليدية، وقلّصت من حضورها السياسي والاقتصادي، ولم يبقَ سوى نفوذ محدود للنخب واللوبيات التي ما تزال تمسك ببعض القرار داخل بعض هذه المكونات، بفعل مصالحها الاستمرارية أكثر من قدرتها الفعلية على التأثير.
وفي هذا السياق، ظهرت محاولات لإعادة تفكيك مراكز النفوذ الاقتصادي التي كانت تشكل امتدادًا مباشرًا للنفوذ السياسي، عبر إعادة توزيع بعض الملفات الاقتصادية والخدمية لأطراف خارج المعادلة، من ذلك ما ارتبط بشراء إنتاج بعض الموارد لصالح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، أو إدخال أطراف تشغيلية جديدة في قطاعات حيوية مثل الكهرباء، والسعي لتشغيل مصافي عدن بهدف تقليل مركزية القرار الاقتصادي وفتح المجال أمام تعدد مراكز التأثير بدل احتكارها.
هذا التوجه يمكن قراءته كجزء من مسار أوسع يسعى إلى إعادة ضبط العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسياسية، بحيث لا تبقى المصلحة الضيقة هي المحدد الأساسي داخل المكونات وغيرها، بل يتم توسيع دائرة الفاعلين وإعادة تشكيل موازين التأثير.
وفي حال نجحت هذه العملية، فإنها قد تؤدي إلى تقليص هيمنة الشبكات الضيقة داخل القرار، وفتح المجال أمام إعادة تموضع الشرعية الشعبية بوصفها مصدر التأثير الأساسي، لا امتدادات النفوذ الاقتصادي أو مراكز القوة غير الرسمية.






