حين تُفسد السياسة ما لا تُفسده الأيام
بقلم / أ. ممدوح بن كده
الثلاثاء 28 ابريل 2026
موجعٌ حدَّ الأسى أن نخسر وجوهًا عرفناها بالود، وقدّرناها بالمحبة والاحترام، لا لجرمٍ اقترفوه، ولا لسوءٍ بدر منهم، بل لأن السياسة مرّت من بيننا، فأفسدت صفاء القلوب، وأثقلت الأرواح بما لا يليق.
أن نختلف، فذلك من طبيعة البشر، ومن سعة الحياة، ومن سنن التباين التي لا مفرّ منها. لكن المؤلم حقًا أن ينحدر الاختلاف من ساحة الرأي إلى مستنقع الإساءة، ومن مساحة الحوار إلى ضيق التجريح، ومن تباين المواقف إلى قسوة الخصومة.
ليس كل من خالفنا خصمًا، ولا كل من عارضنا عدوًا، ولا كل اختلاف يستحق أن نكسر لأجله خاطرًا، أو نهدم به جسرًا من الود، أو نطعن به علاقةً بناها الزمن على مهل. فالمواقف تتبدل، والاصطفافات تتغير، والسياسة لا تحفظ لأحد مقامًا، لكن القلوب إذا انكسرت لا يجبرها كل اعتذار، والعلاقات إذا تصدعت لا تعيدها كل محاولات الترميم.
ما أقسى أن نُسقط من أعيننا من عرفنا فيهم جميل الخُلق، لمجرد أنهم لم يقولوا ما نريد، أو لم يسيروا في الطريق الذي اخترناه. وكأن الاتفاق وحده يمنح الناس قيمتهم، وكأن الاختلاف يُسقط عنهم فضلهم، ويمحو مواقفهم، ويطوي صفحاتهم البيضاء.
الحياة أكبر من خلافٍ عابر، وأبقى من رأيٍ متبدل، والناس في آخر الأمر لا يبقون لبعضهم بالمواقف، بل بالمروءة، وحسن الظن، ورفعة الخُلق. أما الضجيج كله فإلى زوال، وأما الكلمات فتبقى، شاهدةً لنا أو علينا.
في نهاية كل صخب، لن يبقى منّا إلا أثرُ قولٍ قلناه، وموقفٍ اتخذناه، وقلبٍ حافظنا عليه أو كسرناه. فاختاروا من الكلام أكرمه، ومن المواقف أنبلها، ومن الخلاف أرقاه… فليس كل ما يُقال يستحق أن يُقال، وليس كل خلافٍ يستحق أن نخسر فيه إنسانًا.






