بين الضاحية وأبوظبي هل ابتلعت المصالح الجيوسياسية حلم السيادة اليمنية؟
بقلم / خالد الصيعري
الاحد 26 ابريل 2026
في غمرة الغبار الكثيف الذي تثيره المعارك والبيانات السياسية يبدو أن الكثيرين قد أصيبوا بـ “فقدان ذاكرة” اختياري. لكن الحقيقة التاريخية لا تموت بالتقادم فالمشهد اليمني الحالي ليس وليد الصدفة بل هو نتاج تزاوج غريب بين أيديولوجيات متناقضة ومصالح إقليمية التقت في منتصف الطريق لتفكيك ما تبقى من الدولة اليمنية.
قبل أن تصبح صنعاء “العاصمة الرابعة” التي تفاخرت إيران بسقوطها وقبل أن ترفع عدن شعارات “التفويض” كان هناك قاسم مشترك يجمع الأضداد: الضاحية الجنوبية في بيروت.
لقد كانت بيروت هي المختبر الذي جرت فيه عمليات “تخصيب” الحركات المتمردة. هناك وتحت إشراف مباشر من خبراء “الحزب” تم تدريب الكوادر الإعلامية والسياسية للحوثيين والحراك الجنوبي (آنذاك) على حد سواء. كانت إيران تدرك أن مفتاح السيطرة على اليمن يكمن في “تفتيته” إلى هويات مناطقية وطائفية.
أنصار الله لم يكن هذا الاسم سوى “ماركة” مستوردة لصبغ الميليشيا بصبغة دينية قدسية تماماً كما فعلت إيران في لبنان والعراق.
الحراك الجنوبي الذي بدأ بمطالب حقوقية مشروعة وجد نفسه فجأة في أروقة بيروت قبل أن تأخذه الرياح الإقليمية إلى وجهة أخرى تماماً.
التساؤل الذي يطرح نفسه بمرارة: كيف تحول “الحراك” الذي ترعرع في كنف الضاحية إلى “انتقالي” تتبناه الإمارات؟
هنا تبرز براعة “هندسة الفوضى”. لقد أدركت الإمارات أن السيطرة على الموانئ والممرات المائية تتطلب كياناً منظماً يرتدي ثوب “المطالبة بالدولة” بينما يعمل كذراع محلي لتنفيذ أجندة إقليمية.
الحوثي: تحول من جماعة متمردة في كهوف مران إلى “سلطة أمر واقع” بتمويل وتسليح إيراني كامل.
الانتقالي: تحول من حراك شعبي عشوائي إلى “سلطة موازية” بتمويل وإدارة إماراتية.
المفارقة هنا أن الطرفين رغم العداء الظاهري يتغذيان على نفس النتيجة: إضعاف المركز (الدولة) وتمزيق النسيج الوطني.
هل اجتمعت الإمارات وإيران في اليمن؟
إذا نظرنا إلى “النتائج” بعيداً عن “الشعارات” سنجد أن الأهداف تكاد تكون متطابقة. إيران تريد يمناً موالياً يهدد الجوار والإمارات تريد يمناً مجزأً يسهل التحكم بساحله وجزره.
إن الاعتقاد بأن “العدوان الإيراني” أو “التدخل الخليجي” سيغير من سياسة هذه القوى هو ضرب من الوهم السياسي. هؤلاء لا يغيرون سياساتهم لأن “الفوضى” هي بضاعتهم الرابحة. بينما كان اليمنيون ينتظرون “إعادة الأمل”، وجدوا أنفسهم أمام واقع مرير:
شمال يُدار بعقلية “ولاية الفقيه”.
جنوب يُدار بريموت كنترول “أبوظبي”.
شرعية تائهة بين الفنادق والضغوط.
لقد سقطت الأقنعة. لم يعد الأمر يتعلق بـ “دعم الشرعية” أو “محاربة الانقلاب” بقدر ما يتعلق بتقاسم كعكة الجغرافيا. اليمن اليوم يدفع ثمن ارتهان قواه السياسية للخارج.
الخلاصة:
إن الحوثي والانتقالي وإن اختلفا في “الممول” و”الأيديولوجيا”، إلا أنهما يلتقيان في كونهما “أدوات وظيفية” في صراع أكبر من حدود اليمن. فمن كان يظن أن الإمارات ستواجه المشروع الإيراني بجدية اكتشف أنها كانت تبني “مشروعاً موازياً” يخدم مصالحها الضيقة، ولو على حساب وحدة اليمن وسلامة أراضيه.
كلمة أخيرة للشارع اليمني:
المشاريع التي تولد في “الضاحية” أو تُعمّد في “أبوظبي” لن تبني وطناً. الوطن يبنيه من يؤمن بأن صنعاء وعدن هما رئتان لجسد واحد لا قطع غيار في مزاد إقليمي.






