اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

صرخة عطش من مدودة… حين يصبح الماء انتظارًا لا ينتهي

صرخة عطش من مدودة… حين يصبح الماء انتظارًا لا ينتهي

بقلم / ياسر بن عبيد الله
الثلاثاء 21/ابريل/2026م

في كل يومٍ جديد، يستيقظ أهالي منطقة مدودة منطقة زيده خاصة حارة معاذ والخزان على أملٍ بسيط لا يتجاوز وصول الماء إلى منازلهم، لكن هذا الأمل سرعان ما يتلاشى أمام واقعٍ مؤلم يتمثل في انقطاعٍ مستمرٍّ طال أمده، حتى بات الماء، وهو أساس الحياة، أقرب إلى حلمٍ مؤجلٍ منه إلى خدمةٍ يفترض أن تكون متاحة للجميع.
ولم تعد المعاناة مجرد انتظار ساعاتٍ محدودة، بل تحولت إلى أيامٍ طويلة يُثقلها القلق والتدبير القاسي للاحتياجات اليومية؛ فالأمهات يقتصدن في كل قطرة، والأطفال يعتادون على تأجيل أبسط متطلبات النظافة، بينما يضطر ربّ الأسرة إلى البحث عن صهاريج المياه بأسعارٍ مرهقة لا تتناسب مع دخلٍ محدود.
إن تفاصيل الحياة اليومية في مدودة باتت مرتبطة بغياب الماء؛ الغسيل مؤجل، والاستحمام مقنّن، وأعمال المطبخ مرهونة بما تبقى في الخزانات. حتى لحظات الراحة أصبحت مشوبة بترقبٍ دائم: متى سيأتي الماء؟ وهل سيكفي لما تبقى من اليوم؟
وفي ظل هذا الواقع، اضطر كثير من الأهالي إلى البحث عن بدائل مؤقتة لتغطية احتياجاتهم، فكانت خزانات وآبار المساجد ملاذًا يلجؤون إليه في أوقات الانقطاع. هذه المياه كانت تسد جزءًا من الحاجة في أعمالٍ كغسيل الصحون أو الاغتسال والتنظيف، لكنها تظل غير صالحة للشرب، خاصة مع تقارب الآبار من بعضها واحتمالية تلوثها، إضافة إلى المخاوف الصحية المرتبطة بانتشار بعض الأمراض. وهكذا وجد السكان أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما العطش، أو استخدام مياهٍ غير آمنة لا تضمن سلامتهم.
المشكلة الأساسية لم تعد مجرد انقطاعٍ عابر، بل تحوّلت إلى أزمة حقيقية تضرب مختلف أحياء المنطقة، خصوصًا البيوت ذات التخطيط المرتفع. فبحسب ما أفاد به بعض العاملين في المؤسسة، فإن هذه البيوت هي الأكثر تضررًا، لكن الواقع يكشف صورةً أكثر تعقيدًا؛ إذ إن البيوت المرتفعة القريبة من الأنبوب الرئيسي خلال هذه الأيام تعاني من انقطاعٍ يتراوح بين أربعة إلى خمسة أيام، بينما تمتد المعاناة إلى أسبوعٍ كاملٍ أو أكثر للبيوت البعيدة.
هذا التفاوت لا يمكن تفسيره بسهولة، ويثير تساؤلات حول آلية توزيع المياه، وعدالة وصولها، بل وحتى حول كفاءة الشبكة نفسها. كيف يمكن لمنطقةٍ واحدة أن تعيش هذا التباين الحاد، بينما الحاجة واحدة والحق واحد؟
والأكثر إيلامًا أن هذا التفاوت لا يُقاس فقط بالأيام، بل بتأثيره المباشر على حياة الناس؛ فبينما تنعم بعض المنازل بحدٍّ أدنى من الاستقرار المائي، تعيش أخرى حالةً من العجز الكامل، ما يخلق فجوةً اجتماعية داخل الحي الواحد، ويعزز شعورًا بعدم العدالة وفقدان الثقة في منظومة التوزيع.
وتزداد التساؤلات حدةً عندما ننظر إلى البيوت ذات التخطيط القديم، في أيام الانقطاع هذه، حيث نلاحظ أن خمسة إلى ستة منازل متصلة بموزع أنبوبٍ كبير تنعم بوفرةٍ واضحة في المياه. هنا يبرز سؤالٌ ملحّ: لماذا هذا التفاوت؟ وهل يعود ذلك إلى قدم الشبكة أم إلى خللٍ في توزيع الضغط؟ أم أن هناك أولوياتٍ غير معلنة تتحكم في تدفق هذه النعمة الأساسية؟
أما المفارقة الأكثر إثارة، فتتمثل فيما حدث خلال بعض أيام شهر رمضان المبارك، حيث شهدت بعض البيوت المرتفعة، بل وحتى تلك الواقعة أسفل الجبال مباشرة، تحسنًا ملحوظًا في وصول المياه. فقد روى أحد السكان أن الماء لم ينقطع عن منزله خلال تلك ايام الشهر، رغم أنه كان يصل بعد منتصف الليل وببطءٍ شديد، وكأنّه يزحف زحفًا ليصل. ورغم ذلك، كان الأهالي يتعاملون مع هذه الساعات القليلة كفرصةٍ ثمينة لتخزين ما يستطيعون.
في المقابل، تحدث آخر عن تدفقٍ مفاجئ وسريع للماء، حتى أنه وصل إلى خزان في الدور الثالث، في مشهدٍ وصفه بـ”المعجزة” التي لم تتكرر منذ سنوات. هذه الوقائع المتناقضة تفتح الباب أمام تساؤلٍ أكبر: ما الذي تغيّر في رمضان؟ ولماذا يعود الوضع إلى التدهور بعده؟
إن هذه التغيرات المفاجئة تعزز الشكوك لدى الأهالي بأن المشكلة ليست في ندرة المياه فقط، بل في طريقة إدارتها وتوزيعها. فإذا كان بالإمكان إيصال الماء، ولو ببطء، إلى تلك المناطق خلال فترة معينة، فلماذا يتعذر ذلك في بقية الأيام؟
ومن زاويةٍ أخرى، تبرز مشكلة المضخة المخصصة لمنطقة مدودة، والتي يشير الأهالي إلى أنها لا تؤدي عملها بالكفاءة المطلوبة، بل إن هناك حديثًا متداول عن تقصير في كمية الضخ، ما يضاعف الضغط على الشبكة ويزيد من الأعطال. فالمنطقة تشهد بشكلٍ شبه شهري انفجاراتٍ في الأنابيب نتيجة كثرة ضغط الماء عليها، تليها أعمال صيانة تمتد لأيامٍ طويلة.
ورغم وجود وتكرار العذر والتبرير بعدم توفر مادة الديزل لتشغيل المضخة، فإن هذا لا ينبغي أن يكون مبررًا دائمًا، خاصة مع وجود بدائل مثل الألواح الشمسية التي يمكن أن تسهم في استمرارية التشغيل والتخفيف من الاعتماد على الوقود. غير أن عدم الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانيات يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة إدارة الموارد المتاحة.
إن غضب الأهالي لم يعد مجرد تذمر، بل هو عتبٌ مشروع، ونداءٌ صادق لإيجاد حلولٍ حقيقية لا مؤقتة. فالماء ليس رفاهية، بل حقٌّ أساسي لا يمكن التهاون فيه.
تساؤل موجّه إلى المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي – فرع سيئون:
كيف تفسرون هذا التفاوت الواضح في وصول المياه بين منازل المنطقة الواحدة؟ وما الأسباب الحقيقية لانقطاع الماء لفترات طويلة رغم توفره في فترات أخرى؟ ولماذا لا يتم تفعيل البدائل المتاحة لضمان استمرارية الضخ؟ وأين تقف خطتكم العاجلة لمعالجة معاناة الأهالي الذين أصبحوا بين خيارين: العطش أو شراء الماء بأسعارٍ تثقل كاهلهم؟
في الختام، تبقى هذه الكلمات رسالةً صادقة، لعلها تجد صدىً يترجم إلى أفعال. فحين يعاني الناس من العطش، لا تكون الشكوى ترفًا، بل ضرورة… وحقًا لا يقبل التأجيل.

إغلاق