السعودية وصناعة التوازن… كيف تقود دولةٌ كبرى منطقةً على حافة النار؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
18 ابريل 2026
في عالمٍ لم تعد تُحسم فيه الصراعات فقط بالصواريخ والجيوش، بل بالعقل السياسي، والاقتصاد، والتحالفات، وإدارة الوقت، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها واحدة من أذكى الدول في إدارة الأزمات وأكثرها قدرة على تحويل العواصف إلى فرص. فحين اهتزت المنطقة تحت وطأة الحروب والانقسامات، لم تتصرف الرياض بردة فعل، بل بعقل دولة تعرف وزنها، وتدرك موقعها، وتفهم كيف يُصنع النفوذ الحقيقي.
الشرق الأوسط خلال العقد الأخير مرّ بتحولات غير مسبوقة؛ حروب أهلية، انهيارات دول، صعود جماعات مسلحة، صراع أمريكي إيراني، اضطراب في أسواق الطاقة، تهديد للممرات البحرية، وتنافس دولي على النفوذ. وفي خضم هذا المشهد المعقد، كان يمكن لأي دولة أن تنجر إلى الفوضى أو تستنزف مواردها في معارك مفتوحة، لكن السعودية اختارت مسارًا مختلفًا: مسار الدولة الكبرى التي تُدير ولا تُدار.
لقد فهمت القيادة السعودية مبكرًا أن أخطر ما يهدد الدول ليس العدو الخارجي فقط، بل استنزاف الداخل، ولذلك بدأت أولًا ببناء جبهة داخلية صلبة: إصلاح اقتصادي واسع، تحديث مؤسسات الدولة، تنويع مصادر الدخل، إطلاق مشاريع عملاقة، وتمكين جيل جديد من الإدارة والكفاءة. فالدولة التي تريد قيادة محيطها، يجب أن تكون قوية في بيتها أولًا.
ثم انتقلت السعودية إلى محيطها الإقليمي بسياسة ناضجة تقوم على ثلاث قواعد: الحزم عند الضرورة، والاحتواء حين يكون أنفع، والصبر حين تكون اللحظة بحاجة إلى عقل لا انفعال. هذه المعادلة منحت الرياض قدرة نادرة على التحرك في ملفات معقدة دون أن تفقد توازنها.
فعندما اشتدت التوترات بين واشنطن وطهران، لم تتحول السعودية إلى ساحة تصفية حسابات، بل إلى مركز استقرار. وعندما اضطربت الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، لم تنتظر الحلول من الخارج، بل كانت تملك مسبقًا بدائل استراتيجية في الموانئ، وخطوط الأنابيب، والبنية التحتية، وكأنها تقرأ المستقبل قبل أن يقع.
وهنا تظهر عبقرية الدولة؛ فالرؤية السعودية لم تكن وليدة الأزمة، بل سبقت الأزمة بسنوات. من يربط الخليج بالبحر الأحمر بخطوط طاقة منذ عقود، ومن يطوّر موانئه ومطاراته ويستثمر في اللوجستيات، لا يفعل ذلك للترف، بل لأنه يعرف أن الجغرافيا يمكن أن تتحول إلى سلاح أو إلى قوة… والسعودية اختارت أن تجعلها قوة.
كما نجحت المملكة في بناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى؛ شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، انفتاح مؤثر مع الصين، حضور محترم مع روسيا، وعلاقات واسعة مع أوروبا وآسيا وأفريقيا. هذه السياسة لم تجعلها تابعة لأحد، بل جعلت الجميع بحاجة إليها. وهذه هي قمة النفوذ: أن تكون شريكًا للجميع دون أن تكون تابعًا لأحد.
وفي الداخل العربي، أصبحت السعودية مركز الثقة الأول. فعندما تضطرب العواصم، تتجه الأنظار إلى الرياض. لأنها أثبتت أنها لا تبحث عن الزعامة بالشعارات، بل بالفعل؛ لا تهدم الدول بل تدعم استقرارها، لا تصنع المليشيات بل تبني المؤسسات، لا تراهن على الفوضى بل على التنمية.
إن المملكة اليوم لا تدير أزمة عابرة، بل تشارك في صياغة شرق أوسط جديد، أكثر ارتباطًا بالاقتصاد من الأيديولوجيا، وأكثر اهتمامًا بالتنمية من الصراع، وأكثر وعيًا بأن المستقبل لا يُبنى بالثأر بل بالمصالح المشتركة.
ولذلك فإن الدور السعودي لم يعد مجرد دور دولة مؤثرة، بل دور دولة صانعة معادلة. إذا حضرت حضرت الحلول، وإذا تحركت تحركت الأسواق، وإذا تكلمت أُصغي إليها العالم.
سيكتب التاريخ أن المنطقة حين اقتربت من النار، كانت هناك دولة واحدة تمتلك برودة العقل، وثبات القرار، وبعد النظر… اسمها المملكة العربية السعودية.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






