حضرموت: وطن ينتظر النهوض… بين تغيير المناصب وثبات المعاناة
تاربة_اليوم/ كتابات وآراء
كتب : انس انور
16ابريل 2026م
حضرموت ذلك البلد الذي أرهقته الحروب وتنازعته الأزمات، ما يزال يقف على مفترق طرقٍ يصعب فيه التمييز بين الأمل واليأس. ومن بين واقعة الذ يحمل في طياته ثروة ،وتاريخًا وموقعًا استراتيجيًا، يبرز حضرموت كشاهدٍ حي على مفارقة مؤلمة،أرضٌ غنية وشعبٌ صابر، يقابلهما واقعٌ معيشي يزداد قسوةً يومًا بعد يوم.
بينما ملامح الواقع المعيشي في حضرموت
لا يختلف اثنان على أن المواطن الحضرمي اليوم يعيش تحت وطأة أزماتٍ متراكمة. فالخدمات الأساسية التي تُعد من أبسط حقوق الإنسان، أصبحت حلمًا بعيد المنال. الكهرباء لا تكاد تستقر ساعاتٍ معدودة، والماء قد يغيب عن بعض الأحياء فترات وأيامًا، بينما يئن القطاع الصحي تحت نقصٍ حاد في الأدوية والكادر والبنية التحتية. أما التعليم، فالمدارس تشكو من الإهمال، والمعلم من ضعف الراتب، والطالب من ضياع المستقبل.
أما الجانب الاقتصادي، فهو الوجه الأكثر قسوة. انهيار العملة المحلية جعل من الراتب الحكومي مجرد رقم لا يسمن ولا يغني من جوع، والأسعار ترتفع بلا رقيب، فيما تراجعت فرص العمل حتى كادت تختفي. حضرموت التي تمتلك سواحل ممتدة وثروات نفطية وسمكية وزراعية، يقف أبناؤها في طوابير البطالة، أو يهاجرون بحثًا عن لقمةٍ كريمة.
أين دور المسؤولين وغياب التنمية!
لقد اعتاد المواطن الحضرمي أن يسمع الوعود في كل مرحلة، وأن يرى الوجوه تتغير على كراسي المسؤولية، لكن الواقع يبقى على حاله إن لم يزدد سوءًا. فالمشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص فقط، بل في غياب الرؤية والاستراتيجية والإرادة الحقيقية للتغيير،
كم من مسؤولٍ جاء محمولًا على آمال الناس، ثم غادر منصبه بعد سنواتٍ دون أن يترك أثرًا يُذكر سوى مشاريع متعثرة ووعودٍ مؤجلة. المشاريع التي يُعلن عنها تُدشّن بالحبر على الورق، وتُهمل على الأرض. البنية التحتية التي دُمرت بفعل الإهمال أو الصراع لم تجد من يعيد إعمارها، والثروات التي تزخر بها المحافظة تُدار بعيدًا عن مصلحة المواطن الذي يعيش فوقها.
وتعيش دوامة تغيير المناصب دون تغيير الواقع!
شهدت حضرموت خلال السنوات الماضية والحالية موجةً من التغييرات الإدارية، فتغير المحافظون، وتبدّل المدراء، وأُعيد تشكيل المكاتب التنفيذية أكثر من مرة. ظن الناس أن التغيير سيحمل معه الفرج، لكن سرعان ما اكتشفوا أن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير النهج.
المشكلة أن كثيرًا من هذه التغييرات جاءت بدافع المحاصصة أو إرضاء جهات معينة، لا وفق معايير الكفاءة والقدرة على الإنجاز. فغاب التخطيط، وحضرت الارتجالية. وغابت المحاسبة، وحضرت الأعذار. فكانت النتيجة أن المواطن لم يلمس فرقًا يُذكر في معيشته، بل زاد إحباطه حين رأى أن معاناته تُستخدم أحيانًا كوسيلة للوصول إلى المنصب، ثم تُنسى بمجرد الجلوس عليه.
هنا حضرموت تستحق أكثر
حضرموت ليست محافظة عادية، بل هي عمقٌ حضاري وتاريخي واقتصادي لليمن كله. من موانئها انطلقت السفن، ومن صحاريها خرج التجار، ومن وديانها نبتت أجيالٌ حملت اسم اليمن عاليًا في المهاجر. وهي اليوم لا تطلب المستحيل، بل تطلب الأساسيات: كهرباء مستقرة، ماء نظيف، تعليم يحفظ كرامة الطفل، وصحة تليق بالإنسان، وإدارة شفافة تستثمر الثروة لصالح أهلها.
لن يتحقق ذلك بتغيير الأسماء فقط، بل بتغيير العقلية التي تُدار بها المحافظة. نحن بحاجة إلى مسؤولين يؤمنون بأن المنصب تكليف لا تشريف، وأن خدمة الناس أمانة قبل أن تكون وظيفة. نحتاج إلى خطط تنموية حقيقية تُبنى على موارد حضرموت، وإلى رقابة مجتمعية تحاسب، وإلى شراكة صادقة بين السلطة والمواطن.
ختاماً وإن اطال الكلام:
إن الصبر الحضرمي مشهود، لكن الصبر لا يعني القبول بالوضع الراهن. وحضرموت التي صمدت في وجه الأعاصير السياسية والاقتصادية، قادرة على النهوض متى ما وُجد القرار الصادق والإرادة المخلصة. أما دوامة تغيير المناصب دون تغيير الواقع، فهي حلقة مفرغة لن تنتج إلا مزيدًا من فقدان الثقة.
يبقى الأمل معقودًا على أبناء هذه الأرض أن يرفعوا صوتهم بالحق، وأن يكونوا شركاء في البناء والرقابة، فالحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع بالوعي والعمل.
والله من وراء القصد…
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






