بيني وبين “الوطن”.. حوار تحت الركام
بقلم / م. اشرف حيمد قفزان
الاحد 29 مارس 2026
وقفتُ أمام مرآة الروح، أراقبُ ملامح وجهٍ أتعبتهُ السنون، لا بفعل العمر، بل بوجعِ الانتماء. سألتُ نفسي والسؤالُ مرٌّ كالعلقم: كيف لوطنٍ أن يستقيم وهو يرزح تحت ركام الظلم، ويختنقُ بغلاء المعيشة، وينخرُ الفسادُ في عظامه؟
نظرتُ إلى انعكاسي، فأجابني “الأنا” بحدة:
“أنت تسأل عن الركام، لكنك تنسى من وضع اللبنة الأولى في جدار هذا الخراب! أليسوا هم أبناء الجلدة الواحدة؟ أليسوا هم من استرخصوا ترابه عند أول مغريات “العمالة” والارتهان للخارج؟”
تنهدتُ بعمق وقلت:
“نعم، هذا هو الوجع الأكبر. كيف نحميه ونحن أول من يطعنه في الظهر؟ كيف ننتظر من الغريب أن يبني لنا بيتاً نحن نهدم أركانه بأيدينا؟ المسؤول يرى الكرسي مغنماً لا مغرماً، والمواطن ـ في زحمة الحاجة ـ قد يبيع صوته أو ضميره، والكل يرمي باللائمة على “الظروف”.”
ردّ عليّ صوت الضمير في داخلي:
“الظروف شماعة العاجزين يا صديقي. الأوطان لا تسقط لأنها فقيرة، بل تسقط حين يفقد الإنسان فيها شعور “الأرض”. عندما يصبح الوطن مجرد “حقيبة سفر” ننتظر فرصة حشوها والهرب، أو “وليمة” نتصارع على نهش ما تبقى منها. غياب روح التعايش السلمي، وتفتت الوحدة، هو السم الذي يسري في جسدنا.”
قلتُ والدمعُ يحرق المآقي:
“إذن، هل كُتب علينا الشتات؟ هل سيظل هذا الوطن جثةً تتقاسمها الغربان؟”
انتفضت “النفسُ الأبية” في داخلي وأجابت:
“كلا! النهوض يبدأ من هنا.. من هذه المرآة التي تنظر إليها. لن يستقيم الوطن إلا إذا استقام الفرد فينا. عندما يدرك المسؤول أن مسؤوليته “أمانة” سيسأل عنها أمام الله والتاريخ، وعندما يدرك الشاب أن كرامته في سيادة أرضه لا في فتات الخارج. النهوض ليس قراراً سياسياً فحسب، بل هو “ثورة وعي” تجعلنا نستشعر أن طعن الوطن هو طعنٌ للذات، وللأبناء، وللمستقبل.”
ختمتُ حواري مع نفسي وأنا أنظر إلى الأفق:
“ربما نحتاج أن نتحد خلف “فكرة” لا خلف “شخص”. أن نتعلم كيف نعيش معاً قبل أن نموت معاً. فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو “نحن” حين نكون يداً واحدة ضد الفساد، وقلباً واحداً ينبض بالانتماء.”
احبتي واخوتي..
إن هذا الحوار ليس مجرد كلمات، بل هو دعوة لكل واحد منا ليراجع حساباته مع هذا التراب. فالوطن لا ينهض بالمعجزات، بل بالنيات الصادقة والأيدي التي تبني، لا التي تبيع وتشتري.






