الصناعات والحرف اليدويةإبداع .. وهوية.كتب : خليل حماد29 اكتوبر 2023
تولي العديد من الدول العربية من خلال وزارتي السياحة والصناعة اهتماما خاصا بالصناعات الحرفية اليدوية التي تعتبر أحد عوامل الجذب السياحي ومقصد السائح الزائر لأي بلد لذلك يتم فتح وتطوير الأسواق الخاصة للصناع وتمكينهم من ممارسة اعمالهم وعرض منتجاتهم في تلك المحلات .
في بلدنا اليمن محافظة حضرموت تشتهر وتتميز بكثير من الصناعات والحرف اليدوية التي تصنع الكثير من الأدوات التي يستخدمها أهل حضرموت في بيوتهم وزينتهم . مايميز تلك الصناعات هي الجودة العالية والإبداع ومراعاة الجانب الجمالي فأنت لا تشتري منهم بضاعة فحسب بل تشتري تحفة لتستخدمها في منزلك وقد تكون نادرة كلما مر عليها الزمن . مدينة سيئون بها مجموعة من الصناعات والحرف اليدوية التي تلاشت بشكل كبير مثل صياغة الفضة وصناعة ألادوات المستخدمة في إعداد الشاي بالطريقة الحضرمية التي يتميز بها أهل وادي حضرموت وصناعة الأدوات المنزلية الخزفية والعزفية .
لقد كانت الصناعات والحرف اليدوية تحظى باهتمام الدولة حيث كان يسمح للتجار باستيراد المواد الخام المستخدمة في تلك الصناعات من خارج البلد كألواح النيكل التي تستخدم في صناعة أدوات إعداد الشاي بواسطة تجار حضارم من وادي حضرموت وهذا ينطبق على بقية الصناعات الحرفية مثل صياغة الذهب والفضة لذلك تتميز منتجات تلك الصناعات بنمط خاص يحكي ثقافة وإبداع الصانع ببصمة حضرمية تختلف تصاميها وأشكالها من مدينة الى أخرى في إطار المحافظة الواحدة ومن محافظة إلى محافظة أخرى في إطار البلد الواحد ايضا كما اسلفت هي إبداع وثقافة قبل أن تكون تجارة فمثلا المصوغات الفضية الحضرمية هي أفضل أنواع المصوغات ولها شهرة محلية وعالمية لتميزها ولنسبة نقاوة الفضة الحضرمية ذات عيار (923) وهو سر لمعان تلك المصوغات غير متأثرة بمرور الأيام .
التقيت ببعض ممن كانوا يمارسون مهنة صناعة بعض الأدوات التي تستخدم في إعداد الشاي والتي نطلق عليها نحن الحضارم مجتمعة أسم (عدة الشاهي ) وسألتهم عن سبب توقفهم عن ممارسة تلك المهنة كانت اجاباتهم هي السماح لدخول المنتج الخارجي بعد تم اخذ نماذج من تلك الأدوات التي كانوا يصنعونها يدويا والذهاب بها الى خارج البلد وتقليدها وتصنيعها آليا وبيعها في الأسواق المحلية في حضرموت بأسعار منافسه للمنتج المحلي سبب ذلك انخفاض في عائدهم المادي وعجزهم عن سداد إيجارات المحلات التي يعملون بها وغلاء المواد الخام التي تعتمد عليها تلك الصناعة وعدم دعم الدولة لها .
في الماضي وتحديدا ماقبل عام 1990م كانت الدولة تمنع دخول اي منتج من خارج البلد إذا تم تصنيفه في قائمة الصناعات والحرف اليدوية من مصوغات ذهبية أو فضية أو أدوات منزلية .
ذلك المنع لم يكن لأسباب سياسية بل للحفاظ على رواج وتشجيع تلك الصناعات والحرف وعلى قيمتها الفنية والثقافية والإبداعية فلن تجد مايشبهها في اية بقعة من بقاع العالم فهي جزء من الهوية والتراث الثقافي للبلد والمدينة ذاتها لذلك تكون جاذبة للسائح والزائر لحضرموت من محافظة أخرى .. أيضا تلك الصناعات والحرف اليدوية كانت تستوعب كثيرا من العمالة المحلية وتدر دخلا ماليا لكثير من الأسر وهو جانب اقتصادي يضاف إلى المزايا الإيجابية لتلك الصناعات والحرف اليدوية .
في حضرموت وتحديدا في مدينة سيئون هناك صناعات وحرف أخرى كصناعة بعض الأدوات المنزلية التي تعتمد على تطويع القصدير وكان مصدر الحصول على مادة التصنيع هي صفائح السمن و الزيوت وعلب اللبن وهذه ثقافة بيئية انها إعادة تدوير تلك المواد بدلا من رميها وتصنيع منها أدوات منزلية في غاية الجمال والإبداع .. ايضا الصناعات الجلدية التي تعتمد على جلود الأنعام والاستفادة منها في صناعة الأدوات المنزلية التي يستخدمها أهل حضرموت قد يقول قائل أن تلك الأدوات لم تكن نافعة للاستخدام في زماننا هذا اقول مالذي يمنع الجهات ذات العلاقة من مساعدة من يعمل بتلك الحرفة من أن يغير نشاطه إلى صناعة الاحزمة والاحذية والحقائب ويتم تدريبهم وتنمية قدراتهم على ذلك .
ان الاهتمام بهذه الصناعات وتطويرها وتدريب وتشجيع الشباب وفتح سوق خاص بتلك الصناعات يسمى سوق الصناعات والحرف اليدوية يزاول به الصناع تلك المهن وتطوير الأسواق الموجودة مثل سوق الحرفيين وتوسعته مثل ما تم في سوق قسبل (سوق الحنظل حاليا) وصرف لكل من يمارس تلك الصناعات محلا خاصا به كما حصل في نهاية التسعينات حين تم توزيع محلات لباعة الملابس القادمين من خارج حضرموت (أصحاب البسطات).غربي مقبرة جوهر سوق الشطف سابقا بمدينة سيئون (الشطف هي عملية صناعة الأدوات المنزلية من ورق نخيل التمر ) . سيعيد لتلك الصناعات مكانته ورونقها.
تلك الأدوات تصنع في بلدي ممزوجة بنفس وثقافة وإبداع من يصنعها بيده وهو سر قيمتها الفنية التي تجذب وجذبت الكثير ممن زاروا هذه البلدة الطيبة فكثير من الصناع هم فنانون مبدعون رأيت البعض منهم يعزف آلاتا موسيقية مثل الصنائعي المبدع العم يسلم محمد باجيدة (بوسالم) عازفا لآلة موسيقية تسمى القصبة (وهي آلة موسيقية تشبه الناي) وآخر عازفا أو مروسا للمرواس (وهي آلة موسيقية أقرب للإيقاع مع اختلافهما في الشكل) وهو منشد الموشحات الدينية صاحب الصوت الجميل المبدع العم ربيع احمد هبيص ( المرفقة صورته بهذا المنشور ) في فرقة السمع الفنية وهي فرقة موروث شعبي حضرمي جميل بمدينة سيئون تحيي افراح الزواجات في بعض مناطق وادي حضرموت تلك الفرقة مثلت اليمن في ديسمبر 1994م في مهرجانا فنيا في العاصمة الفرنسية باريس كان أولئك الصنائعيون العازفون المبدعون (باجيدة وهبيص ) من عازفي تلك الفرقة .. إنهم حقيقة صنائعيون .. فنانون .. مبدعون .. لديهم من الإحساس مايجعل ماتصنعه أياديهم تحفا فنية قبل أن تكون بضاعة .






