17 سبتمبر: عقد غير مكتمل
مقال لـ / أشرف قطمير
الخميس 19 سبتمبر 2024
في ليلةٍ من ليالي سبتمبر 1967، كانت حضرموت على صفيح ساخن. الشوارع في المكلا كانت تعج بالتوتر، والأجواء مشحونة بالكهرباء. كانت الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن تقدم طلبًا إلى لجنة الطوارئ الحاكمة في المكلا لتسليم السلطة إليها، بينما كان السلطان غالب بن عوض القعيطي في الخارج يشارك في مفاوضات جنيف. في تلك الأثناء، كانت الجبهة القومية تحقق انتصاراتٍ في الجنوب، وكانت المشيخات تتساقط الواحدة تلو الأخرى.
في حضرموت، كان الوضع مختلفًا. بالرغم من الاضطرابات المحيطة، كانت حضرموت تنعم بالأمن والاستقرار. لكن خلف هذا الهدوء، كان الشارع الحضرمي يغلي؛ الأحزاب تتنافس وكلٌ يغني على ليلاه. كانت اللحظات حاسمة، ولم يكن أحد يعرف كيف ستنتهي.
اجتمع أعضاء الجبهة القومية مع قادة القوات المسلحة، وفي اجتماعهم الحاسم، تم الاتفاق على تسليم السلطة ابتداءً من صباح يوم 17 سبتمبر. تم إلزام السلطان بالعودة من حيث أتى، وتم تنفيذ الاتفاق بدعمٍ من القوات المسلحة في جيش البادية وجيش النظام.
وسط كل ذلك، كان اللواء بن سميدع، القائد العسكري المعروف، معتزلاً في منزله ولم يشارك في الاتفاقات الأخيرة، وكذلك فعل النائب بدر الكسادي. كان هذان الرجلان من القلائل الذين رفضوا التسليم للجبهة القومية بشكل قاطع. لكن هذا الرفض كان له ثمنٌ باهظ. فقد وضعتهما قيادة الجبهة القومية على قائمة أعدائها، وتم اعتقالهما لاحقًا، ثم إعدامهما.
أما بقية القادة الذين وقعوا على اتفاقية التسليم، فقد واجهوا مصيرًا غامضًا. البعض منهم اعتُقل، والبعض الآخر سُرح من الخدمة بعد تفتيش منازلهم. وبعضهم لم يكن أكثر حظًا، حيث تم تصفيتهم جسديًا، مثل العقيد باقروان. كان الأمر وكأنه عقاب جماعي لكل من شارك في تلك المرحلة.
بهذا، أُغلقت صفحة في تاريخ حضرموت وبدأت أخرى. تم تطهير الساحة الحضرمية من كل مسؤولي العهد السابق، وبسطت الجبهة القومية سيطرتها، وشرعت في سن قوانينها الخاصة. ضمت حضرموت إلى دولة الجنوب، لتصبح المحافظة الخامسة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهكذا، طُمست حضرموت سياسيًا وتاريخيًا وثقافيًا.
كانت بداية تلك الفترة مليئة بالتوتر. في أوائل سبتمبر، شهدت حضرموت حالة من الغليان. كانت الجبهة القومية قد طالبت بتسليم السلطة، والعديد من المشيخات في الجنوب سقطت بالفعل تحت سيطرتها، مدعومة من بريطانيا. ومع ذلك، حافظت حضرموت على استقرارها، لكن الهدوء الذي ساد في النهار كان يخفي اضطرابات كثيرة.
عقدت لقاءات بين قادة السلطة الحاكمة والجبهة القومية. لم يكن هناك استقواء بالسلاح، ولم يكن هناك نزاع عسكري. العقلاء من الطرفين كانوا موجودين، فالكل كانوا يعلمون أنهم أبناء حضرموت، وأن مصيرهم واحد. لكن الخلافات كانت حاضرة، وبعض القادة والضباط لم يكونوا مقتنعين بتسليم السلطة للجبهة القومية، مما زاد الوضع توترًا.
عند وصول يوم 17 سبتمبر، سُلّمت السلطة للجبهة القومية دون إراقة دماء. تم تشكيل لجنة شعبية لإدارة البلاد بشكل مناصفة بين الجبهة القومية والجيش، وبدت الأمور في ظاهرها وكأنها تسير نحو السلم والاستقرار.
لكن هذا الاستقرار كان مؤقتًا. تغيرت الأمور سريعًا بعد وصول الرفيق علي سالم البيض من عدن، برفقة عبدالله الأشطل ومجموعات مسلحة من خارج حضرموت. قدّم البيض عبدالله الأشطل للقيادة المحلية في حضرموت باسمٍ مزيف، وأعلن أنه مرسل من عدن لتنظيم الأمور. وهنا بدأت مرحلة جديدة.
أحكم القادمون من عدن سيطرتهم على حضرموت وبدأوا في تنفيذ خططهم. أبعدوا بعض قيادات الجبهة القومية إلى عدن، وأهملوا الآخرين. شنت حملات واسعة لتفتيش منازل المسؤولين السابقين في الدولة القعيطية الحضرمية، بقيادة أشخاص من خارج حضرموت، مثل راوح عبدالرب الصلوي من تعز وصالح عواس من أبين. أدخلوا الرعب في قلوب الأهالي، واقتحموا البيوت، ونهبوا بعض المقتنيات تحت ذريعة محاربة “الحكم الأنجلو-سلاطيني.”
بهذا، أصبحت حضرموت تُدار من خارجها، وتفكك جيش البادية ودمجت عناصره في الجيش الجنوبي. ثم بدأ النظام الحاكم للجبهة القومية عهدًا دمويًا، حيث شنت حملة لتصفية الكوادر الحضرمية جسديًا، وامتدت لاغتيال علماء الدين وشيوخ القبائل ورجال الأعمال. أصبحت حضرموت في حالة من السواد، تُحكم بالحديد والنار.
من تلك الفترة السوداء، بقيت حضرموت تعاني حتى يومنا هذا. في ختام حديثه، استدعى القعيطي مقولة الدكتور عبدالكريم الإرياني، مهندس السياسة اليمنية الخارجية، الذي قال قبل حرب صيف 1994: “إن الحسنة الوحيدة للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن أنها ضمت حضرموت لليمن.” كلمات لا تزال تتردد في الأذهان، وتروي جزءًا من تاريخ حضرموت الذي لا يمكن محوه.






