شهيد الهدم
مقال لـ/ اشرف قطمير
السبت 14 سبتمبر 2024
في كل مرة يرحل فيها شاب، تأخذ مدينة سيؤن نَفَسَها الثقيل، فتشعر وكأنها فقدت جزءًا من روحها. اليوم، جاءتنا الفجيعة مع خبر موت الشاب يسلم باسعيدة، صاحب الابتسامة الطيبة، وصاحب “كافتيريا التواهي” التي لطالما كانت ملاذًا للناس من حر الصيف وبرودة الحياة. رحل يسلم، ولم يكن رحيله سهلاً على قلوب أهل سيؤن.
كان يسلم باسعيدة شابًا يعرفه الجميع، ليس فقط لأنه صاحب الكافتيريا التي يبيع فيها الآيسكريم، ولكن لأنه كان رمزًا للطيبة والتعاون. كان وجهه دائمًا مشرقًا، يقابل الناس بابتسامة صادقة، ورغم مشاغل الحياة، كان يجد الوقت ليسأل عن أحوال الآخرين. يتذكره الناس بلسان واحد: “كان مثل النسمة”.
حادث السيارة الذي أودى بحياته كان فجائيًا، ومباغتًا كالموت ذاته. كان في طريقه إلى المكلا، ربما لزيارة أو مهمة ما، ولم يكن يدري أن تلك الرحلة ستكون الأخيرة. ربما كتب الله له أن ينتهي عند هذا الحد، وأن ينجو من فواجع الزمان القادمة. لعل في ذلك رحمةً خفية، فهو الآن عند الله شهيد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله.” (رواه البخاري ومسلم).
سيئون حزينة اليوم، بيوتها حزينة، شوارعها حزينة، وحتى “كافتيريا التواهي” التي كانت تضج بالحياة أصبحت حزينة. كأنها تعلن عن غياب صاحبها الذي لن يعود ليقف وراء طاولتها ويخدم زبائنه بروحه المرحة. أصبح المكان خاليًا، وكأن الفراغ الذي تركه يسلم لا يمكن أن يملأه أحد.
يقولون إن الموت يخطف منا أفضلنا، وإن الشهداء هم الذين يرحلون في مقتبل العمر. يسلم باسعيدة كان من هؤلاء الذين يتركون وراءهم حزنًا عميقًا وفراغًا لا يُملأ. كان شابًا طيب القلب، يحمل على كتفيه همومه وهموم غيره، ويسعى دائمًا لإدخال السعادة إلى قلوب الآخرين.
اليوم، ونحن نقف عند هذه اللحظة المؤلمة، لا نملك إلا أن ندعو له بالرحمة والمغفرة، وأن يجعله الله من الشهداء. فالفقد ليس سهلاً، ولا الكلمات قادرة على وصفه، لكننا نعلم أن يسلم ترك في قلوبنا بصمة لا تنسى، وذكرى ستبقى طويلاً حتى بعد أن يغيب عن أعيننا.






