ماهية حضرموت بين التأثر .. والتأثير !!
كتب / زكي بن علي صبيح
الجمعة 3 مايو 2024
تاربة – اليوم #
*حضرموت* : منطقة جغرافية واقعة في الجانب الجنوبي الأوسط من شبه الجزيرة العربية ، وهي أكبر محافظات ومخاليف اليمن .. الواقع بيمين البلد الحرام ..
هكذا قد يحلو للبعض تعريف حضرموت ، وهذا تعريف سطحي لا غنى عنه ..
أما تعريف *حضرموت العميق : فهي مدرسة تربوية ومنظومة سلوكية تجسدت في الإنسان الحضرمي القيمي* .. قبل أن تكون رقعة جغرافية محصورة بين أربعة حدود ..
وقد اتسعت رقعة حضرموت بهذا المعنى ببلوغ الإنسان الحضرمي إلى أقصى الأرض إلى الهند والسند ، و الشرق والغرب .. وهو يحمل هذه الروح القيمية النابعة من عمق ديننا الحنيف .. حتى ذكرت دراسات معاصرة أن ثلث المسلمين في العالم ارتبطوا بالدين الإسلامي ، عبر جهود جهابذة هذه المدرسة والبلد العريق العتيق ..
ولذلك لما أراد الصحابي عمرو بن العاص بمصر ، عاملا على القضاء ، كتب إلى الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فرد عليه : *( لا تولين القضاء والمال في مصر إلا حضرميا فإنهم أهل أمانة )*
نعم لقد انصبغت النفس الحضرمية بالأمانة و بروح القيم الإسلامية .. وكان يوما يخرج الحضرمي إلى دول شرق آسيا وأدغال افريقيا لنشر الإسلام وتعاليمه السمحة لكنه :*مؤثرا لا متأثرا* تأثرا سلبا بثقافات أخرى .. وهنا لعله مفرق الطرق بين الماضي والحاضر في حياة الحضارم !!
لأن الإنسان الحضرمي كان مؤثرا بطبيعته وسماحته المستمدة من صميم الدين الحنيف ، *وأؤكد أنه من صميم الدين الحنيف وعمقه وجوهره* ، فذهب يجوب الأمصار حاملا هذه القيم ناشرا لها ، لاتفارقه هنيهة واحدة .. فأرسا بذلك منهجا تعايشيا إسلاميا سلميا عالميا .. فكان المؤثر الذي يؤثر بفعله قبل قاله .. وبحاله قبل مقاله ..
وقد تجلت في تكوين و سيكولوجية الحضارم بوضوح : الأمانة والصدق والصبر ومشاعر الحب الصادق والتعايش السلمي وتقبل الآخر وما إلى ذلك ..
وقد نبعت هذه القيم من هذه الأرض المباركة ، و من المدرسة المصبوغة بصبغة الكتاب والسنة والأخلاق النبوية الكريمة ، التي توارثها أجدادنا جهبذا عن جهبذ ، وأب عن جد ، إلى دوحة النبوة والرسالة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وأصحابه الكرام واهل بيته الأعلام ..
لذا لما زار العلامة عبدالرحمن بن عبدالله بن اسعد اليافعي ، حضرموت لفته فيها جهابذة القوم ورجال المواقف فقال :
*مررت بوادي حضرموت مسلما*
*فألفيته بالبشر مبتسما رحبا*
*وألفت فيه من جهابذة العلا*
*أكابر لايلفون شرقا ولاغربا*
نعم كانت حضرموت مدرسة جهابذة العلم والمعرفة والفكر السليم الواعي ، و محضن أرباب الحكمة والمواقف المشرفة ..
وكان المنبع الأول لهؤلاء الجهابذة *الأسرة الحضرمية* التي كانت تلعب دورا بارزا في ذلك ، بل كان المجتمع ككل مصبوغ بهذه الصبغة ويعمل على ترسيخها .. المعلامة والمسجد والمدرسة بل و انسبغ بها الشارع والسوق الحضرمي ، حيث يجد العابر فيه التوجيه والتنبيه والتوعية ..
حتى دهانا زمان العار ، ودخلت على الإنسان الحضرمي وبقوة ، مداخل السوء وأفكار الهدم بعدة طرق ووسائل ممنهجة .. فصار يتأثر بها شيئا فشيئا .. ويستحسنها ويتخلى عن موروثه القيمي والسلوكي في كثير من الأحوال ، و يتأثر بثقافات دخيلة بعد أن كان في صدارة التأثير العالمي العلمي والسلمي والتعايشي البناء ..
فبدلا من أن يكون مؤثرا بحاله وفعاله صار متأثرا بمدخلات وثقافات غثة وسمينة وردت عليه أو ورد عليها عبر اسفاره ، من هنا وهناك وكل ذلك ، على حساب ضياع الموروث القيمي الذي لا يعوض ..
وحينها تغيرت الكثير من معالم الكينونة الحضرمية والكثير من طباعها والكثير من أحوالها وما عادت حضرموت على ماهي عليه في السابق ، في هذا الإطار ، وما عاد الحضرمي أرضه هي التي تصبغه في غالب الحالات ، وصار تأثير الأرض والثقافة الحضرمية الأصيلة على الحضرمي ضعيفة وضحلة ، *لإنبهاره بثقافة البهرجة والصخب .. التي بدت عورتها مكشوفة في المرحلة المعاصرة* ..
وليس المقصود هنا رد كل دخيل وجديد ولكن *نخله و صبغه بصبغة الديانة والكرامة والنبل* ..
نعم يؤسفني ويؤسف كل عزيز سوء الفهم لدى الكثير من أبنائنا وأجيالنا لتاريخهم وأرضهم وموروثهم ، وتضييعهم للموروث التربوي العتيق ، الذي من أجله جاهد أسلافنا الحضارم وبذلوا كل غال ونفيس *لتبقى حضرموت رمزا للقيم ومدرسة للحكمة والعطاء*
بل بلغ الحد ببعضنا أن يحارب هذا الزخم القيمي والنيل منه ومحاربته .. بعلم أو بغير علم ، ارضاء ربما لأجندة خارجية ، تستهدف العبث بهذه التركة والكنز الدفين ..
وصرنا وصار أعدادا منا بعد أن كنا نوسع رقعة حضرموت القيمية في العالم وكل العالم ، صرنا نضيق هذه المساحة في داخل حضرموت الجغرافية .. وصار صوت القيم الذي تميزت به حضرموت الأرض والإنسان ، ضعيف وخافت في الحياة العامة ، *غير أنه موجود وسيعود بتظافر الجهود* للخيرين والغيورين من جهابذة هذه البلد الطيبة ..
*وأملنا في الحي الدائم سبحانه أن يحفظ على حضرموت ما بقي من موروثها القيمي في أهلها ومنتسبيها، ليكون ذلك سبيلا لحفظها جغرافيا وتاريخيا وموارديا وثقافيا … فتكون ملاذ اللائذين وقبلة القاصدين*
*ودمتم سالمين*






