سفيـــــر الحُـــــبّ
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : محمد احمد بالفخر
23 نوفمبر 2023
كل يوم والثاني نتعلّم دروساً جديدة ستبقى خالدة في ذاكرة الأجيال تعطينا إياها غزة هاشم والتي سميت بهذا الاسم لاحتوائها على قبر هاشم بن عبد مناف الجد الثاني لنبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، و"غزة" سماها الكنعانيون بهذا الاسم ويعني القوة باللغات السامية القديمة وعند المصريين القدامى سميت "غزاتو" بمعنى المدينة المميزة،
وكلا المعنيين تتصف بهما هذه المدينة الأسطورية الصامدة في وجه العدوان البربري الصهيوني على النساء والأطفال بل على الحياة كلها،
ورغم كل ما جرى ويجري مقروناً بالصمت والخذلان العربي إلا أن رجال غزة يسطرون روايات تاريخية عنوانها: ((وإنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد))
رحم الله قائلها الشهيد عزالدين القسام وحفظ الله أبا عبيدة الذي ذكّرنا بها،
قبل شهرٍ تقريباً كان يفترض أن يسافر من غزة الطفل الفلسطيني المعجزة رمضان محمود أبو جزر الذي لم يتعدّى عامه التاسع ليشارك في حفل تكريمه من قبل برنامج (سواعد الإخاء) بجائزة سفير الحب فحالت الحرب الصهيونية التي تكتوي غزة بها دون سفره، لكنه كان حاضراً معهم رغم غيابه فقد شاركهم بمقطع فيديو مؤثر جداً لا يمكن أن تَملَّ من مشاهدته ولا يمكن أن تحبس الدمع في عينيك، وتتفاعل معه بكل مشاعرك واحاسيسك فلقد أبكى الحاضرين في حفل التكريم بكلمته البليغة الضافية وصورته أمام أنقاض المباني المنهارة،
وأجزم أن كُل من شاهده تمنى أن يكون له من الأولاد مثل رمضان،
فكانت كلمته فصلاً جديداً من فصول غزة الحاضرة والقادمة، فبعد أن قال (اللهم يسر لي أمري واشرح لي صدري واجعل في كلامي أثر)،
قال هذه الأبيات:
من تربةٍ نبتت بها روح السيادة
من دوحةٍ للفخرِ إذ هي
موطنُ الدمِ والشهادة
من أرضِ هاشمَ غزةً قد جئتكم،
واسمي رمضان
عنقود خيرٍ قد نمى بالسعي
بالقرآن بالعهد المصان،
اسمي رمضان
اليوم في ساح الطفولة
وغداً مع العلماء
والكتاب والشعراء
والحفاظ أمتشق البطولة،
إننا اليوم معاً
نبني لنا درجات علمٍ واستقامة
في الله كان الجمع
في الله يأتي الدمع
في الله نحن سواعد
وعلى الاخاء نتعاهد،
يا الصحب يا أهلي الكرام هنا
أحييكم وأبعث للقلوب محبة تتجدد
اسمي رمضان
عمر الزهور
والحلم في فلك النجاح يدور.
لله درك يا رمضان وهذه الثقة والعزة من أين اكتسبتها؟
تلك هي مدرسة غزة فقد ولد رمضان أثناء حرب إسرائيل على غزة في عام 2014م والذي استشهد فيها عمه رمضان أبو جزر فسماه ابوه على اسم عمه الشهيد،
خطب الطفل رمضان أول خطبة جمعة له وعمره سنتين ونصف في مسجد عباد الرحمن بمدينة رفح بقطاع غزة وعرف بنفسه في مطلع الخطبة بالدكتور رمضان فكان فصيح اللسان حفظه الله وحفظ والديه وقطعاً هما المدرسة الأولى في التربية وبدون أدنى شك أنّ أمه هي ممن شملها قول أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها
أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ
الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا
بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ
الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى
شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ
قال الطفل المعجزة رمضان مخاطباً الحضور ومن يسمع ومن يشاهد وهذا سر نباغته وتفوقه أنني لا أنام إلاّ على صوت القرآن وكل يوم يكون لنا مع العائلة جلسة قرآنية،
وقال: أُطِلُ عليكم من الأرض التي أشار اليها الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله (خير رباطكم عسقلان)
من غزة العزة، غزة التي داس أبطالُها الميامين بأقدامهم الشريفة على رؤوس بني صهيون وقتلوهم من مسافة صفر، غزة التي قاومت وما زالت تقاوم حتى وهي تنزف، غزة التي قدّمت خيرة شبابها شهداء في سبيل رفعة هذا الدين، من وسط حرب دامية راح ضحيتها آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى،
غزة والتي برغم ما حدث فيها من أزمات ومجازر الا أن فيها قوما جبارين،
أُطِلُ عليكم وأحمِلُ في قلبي كثيراً من الحب مع ما نعيشه من خوف ودمار وحصار.
الكلمة طويلة وكلها تحمل معاني وأبعاد عميقة وأكتفي بما سبق،
وعموماً مدرسة غزة سنظل ننهل من معينها الذي لا ينضب أسمى معاني القيم والأخلاق والفداء،
فلله دركم من رجال ولله دركن من أمهات لأولئك الرجال.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر بالضرورة عن سياسة الموقع بل عن رأي كاتبها فقط






