اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دبلوماسية الصبر الاستراتيجي: كيف تجابه السعودية الأزمات بحكمة وهدوء؟

دبلوماسية الصبر الاستراتيجي: كيف تجابه السعودية الأزمات بحكمة وهدوء؟

بقلم / أ.د خالد سالم باوزير
الخميس 5 نوفمبر

قد يقول قائل: لماذا يكتب الدكتور خالد حول هذا الموضوع؟

إن ما دفعني للحديث في هذا الشأن هو قراءاتي المتعددة والمتنوعة لما يُكتب في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة—العربية واليمنية والأجنبية على حد سواء—عن المملكة العربية السعودية، وما تجابهه اليوم من تطاول جماعة الحوثي ومن خلفها إيران، تلك الدولة الخليجية المجاورة التي تُدار وفق مفهوم “ولاية الفقيه” منذ سقوط نظام شاه إيران على يد الثورة الخمينية.

والحقيقة أن السعودية استطاعت عبر العقود الماضية—ومع طفرات أسعار النفط—أن تبني قاعدة مادية صلبة، وتُحدث تطوراً ملحوظاً في مختلف جوانب الحياة. فالشعب السعودي اليوم يتمتع بمستوى معيشي متميز، وأثبت النظام الملكي مرونة وتفاعلية عالية مع التطورات العلمية والصناعية والاجتماعية والاقتصادية في المحيط الإقليمي والدولي؛ حتى وصلت المملكة اقتصادياً وتكنولوجياً إلى مستويات متقدمة من التطور، بفضل الاستقرار السياسي وتوجيه الموارد لخدمة المجتمع.

وبالعودة إلى موضوع مجابهة المملكة للأخطار والمؤامرات والصراعات الجارية بالقرب من حدودها أو خارجها، فمنذ تولّي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، ووجود نجلِهِ الشاب صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، حدث تحولٌ استراتيجي كبير في سياسة المملكة في كل الجوانب وفق “رؤية 2030″، ممتداً من الاقتصاد إلى شتى مجالات التنمية.

ورغم وجود مشكلات ومؤامرات تُحاك ضدها من دول وقوى متعددة، إلا أن القيادة السعودية تدرك ذلك جيداً، وتواجه تلك التحديات بهدوء وتروٍّ وصبر استراتيجي، بعيداً عن التهور أو الشغف بالإعلان وصخب “الشو الإعلامي”.

ولو تأملنا التاريخ القريب، للاحظنا كيف تآمر رؤساء دول وأحزاب وطوائف على السعودية، ولكنها تجاوزت تلك الأزمات بتروٍّ ودون بهرجة إعلامية؛ فكانت النتيجة أن تلاشت تلك القوى والنظم—كنظام القذافي في ليبيا، أو النفوذ المستشري لحزب الله والطوائف المسلحة في العراق وغيرهم—بينما بقيت السعودية قائمة، مزدهرة، ينعم شعبها بالاستقرار والأمان، رغم استضافتها لمليين المقيمين (نحو 10 ملايين أو أكثر) الذين يعملون على أراضيها بنظام وحرية، ويوجهون مدخراتهم إلى بلدانهم دون قيود.

يُضاف إلى ذلك خدماتها الاستثنائية في استقبال ضيوف الرحمن في مواسم الحج والعمرة بكل ترحيب وتسهيلات تُبهر المتابع، مما يعطي انطباعاً جلياً عن سعة صدر السياسة السعودية واعتدالها في خدمة المسلمين والزوار، حتى أولئك الذين ينتمون لدول ناصبتها العداء.

وبالحديث عن اليمن والمحيط الجغرافي الذي فرض على المملكة بحكم الجغرافيا حماية حدودها الشرقية والجنوبية والغربية؛ فإن السعودية تتأثر بحكم الجوار المباشر بكل ما يحدث في اليمن.

فقد تدخلت في أزمة ما عُرِف بـ “ثورة الشباب”، وقدمت “المبادرة الخليجية” بالتعاون مع دول مجلس التعاون، فاستقرت أحوال اليمن حينها بعد استقالة الرئيس علي عبد الله صالح ونقل السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي، إلا أن اليمن وقع لاحقاً في مطبٍّ آخر تمثل في تمدد الحوثيين من جبال مران، واستيلائهم على السلطة في صنعاء، وطرد السلطة الشرعية عبر انقلابٍ محكم.

وكان تدخل السعودية في اليمن فرضاً فرضته الحدود الطويلة، وجاء بناءً على طلبٍ رسمي من الحكومة والرئاسة الشرعية. وعلى مدى سنوات، حاولت السعودية حل المشكلة اليمنية، إلا أن الحوثي المدعوم من إيران واصل التعنت.

وحين تقدمت مليشيا الحوثي نحو الجنوب، كان التدخل العسكري عبر التحالف العربي ضرورةً لإيقاف هذا التمدد الذي يمثل امتداداً للمشروع الإيراني ومحاصرةً للسعودية من حدودها الجنوبية.

ورغم محاولات السعودية المستمرة لتحسين العلاقات مع طهران، إلا أن المشروع الخميني قام على ابتلاع الدول وصناعة مخالب عسكرية في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
واليوم، نرى كيف انحسرت تلك المخالب في المنطقة؛ فسقط النظام في سوريا، وتقلص نفوذ الحزب في بيروت بعد المواجهات العسكرية الأخيرة واغتيال أبرز قادته. أما في اليمن، فقد نجح تدخل قوات التحالف—الذي تركزت قيادته فعالياً في دولتين رئيسيتين—في تحرير عدن من الحوثيين وحضرموت من تنظيم القاعدة.

ورغم استمرار المواجهات في الشمال، والتوقف الاضطراري لقوات الشرعية على مشارف ميناء الحديدة عام 2022 بفعل الضغوط الدولية واتفاقات “ستوكهولم”—والتي استغلها الحوثي لإعادة بناء قوته بدعم عسكري إيراني عبر البر والبحر—إلا أن السعودية ظلت تراقب الموقف بحكمة، متمسكةً بأسلوب الهدوء والتروي الذي ميز سياستها عن غيرها.

ترفعٌ عن السجالات ونظرة نحو المستقبل
لقد دعمت المملكة اليمن في كل المراحل مادياً وعسكرياً وإنسانياً، ورغم كل ما قدمته وتُقدمه، إلا أن بعض القوى والأفراد يحاولون رمي السعودية بالشائعات والمقالات المغرضة.

المملكة لا تلتفت لهذه الأصوات النشاز، بل تواصل تقديم الغالي والنفيس لدعم الحكومة الشرعية، غير مبالية بالدعايات التخريبية والمؤامرات؛ إيماناً منها بأن أعداءها إلى زوال، وأن الدول الرشيدة هي التي تبقى وتزدهر.
واليوم، تستمر السعودية في دعم الشرعية عبر عمليات ميدانية ولوجستية ومالية كبيرة، تترفع فيها عن الملاسنات لأنها تعمل بصبر وتُمسك بكل خيوط وأوراق السياسة في المنطقة.

ونحن على ثقة بأن المملكة—مهما واجهت من مقذوفات وصواريخ حوثية، أو محاولات لإثارة القلاقل من بعض المكونات في الجنوب وحضرموت والمهره (كما شهدنا من محاولات فرض أمر واقع في أواخر 2025 وبدايات 2026 تم التعامل معها بحزم ولجمها بعد استنفاد الطرق الدبلوماسية)—ستظل قادرة على حماية حدودها واستقرار جوارها.

في النهاية، تثبت السعودية دائماً أنها دولة مؤسسات قادرة على الانتصار لحقها وإنهاء تهديدات أعدائها. وبإذن الله، سينتهي انقلاب الحوثي على الشرعية، وتعود الأمور في الشمال إلى نصابها، مع إيجاد حلول عادلة ومناسبة للقضية الجنوبية ولحضرموت، ليحظى اليمن بدولة وآمن واستقرار على كامل حدوده.

ستبقى السعودية دولة تستخدم الدبلوماسية الرزينة وحسن الجوار وتطوير العلاقات—حتى مع الخصوم كما رأينا في الاتفاقات المبرمة وانفتاحها الدولي أتفاقية مكه السعودية تركيا باكستان—لأنها تفكر في السلم والأمن الجماعي، وتَزِن سياستها بدقة من خلال مراكز بحوثها ورجال السياسة فيها، معتمدةً في ذلك على مكانتها العظيمة كحامية للأراضي المقدسة وقبلة للمسلمين.

والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.

إغلاق