“عبدالرحمن الملاحي.. حين يبقى أثر الرجال شاهداً على عظمة ما تركوه”
كتب/ صلاح جمال بن حيدر
ثمة رجال لا تنتهي حكايتهم برحيلهم، ولا تطوي صفحات الزمن ما تركوه من أثر؛ لأن بعض العطاء يتجاوز حدود العمر، وتظل قيمته حاضرة بما يضيفه إلى ذاكرة الأوطان من علم ومعرفة. ومن بين هذه القامات الحضرمية، يبرز اسم الأستاذ عبدالرحمن بن عبدالكريم الملاحي، المؤرخ والأديب والباحث والتربوي، الذي أسهم عبر مسيرته في إثراء الحياة الثقافية والمعرفية في حضرموت، وتوثيق جوانب مهمة من تاريخها وتراثها وذاكرتها الاجتماعية.
》من بيت العلم بدأت الحكاية:
وُلد عبدالرحمن الملاحي في مدينة الشحر بحضرموت، في أكتوبر 1936م، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم والفضل؛ فوالده العلامة الشيخ عبدالكريم الملاحي كان مفتياً وعالماً جليلاً في المدينة، وكان منزله يضم مكتبة ثرية بالمراجع الدينية والمصادر التراثية، في بيئة أسهمت في تشكيل وعيه واهتماماته المعرفية منذ وقت مبكر.
ومن تلك النشأة انطلق شغفه بالقراءة والبحث، ليمتد طوال حياته بين ميادين التربية والأدب والثقافة والتاريخ، حتى أصبح من المهتمين بتوثيق الذاكرة الحضرمية واستكشاف ملامحها.
وفي نوفمبر 2013م، أسدل الموت الستار على رحلته عن عمر ناهز 77 عاماً، إثر معاناة مع مرض عضال خلال أشهره الأخيرة، ووُوري جثمانه الثرى في مسقط رأسه بمدينة الشحر، تاركاً وراءه مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والثقافي.
》مسيرة حافلة بالعطاء التربوي والثقافي:
تنوعت إسهامات الملاحي بين التربية والتعليم والعمل الثقافي والأدبي والمسرحي؛ فقد أمضى سنوات من حياته معلماً ومديراً في عدد من المدارس، واضعاً التعليم في صدارة اهتماماته.
وفي المجال الثقافي، تولى إدارة مكتب الثقافة والسياحة بمحافظة حضرموت خلال الفترة من 1975م إلى 1980م، وكان أول رئيس لفرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بحضرموت خلال الفترة من 1977م إلى 1981م. كما كان له حضور في النشاط المسرحي، وتولى مهام الأمين العام لاتحاد المسرحيين اليمنيين.
وقد شكلت هذه المحطات امتداداً لاهتماماته الثقافية والأدبية، قبل أن يتجه بصورة أوسع إلى البحث والتأليف والتوثيق، متخذاً من تاريخ حضرموت وتراثها مجالاً رئيساً لاشتغاله العلمي.
》حين يصبح البحث صوناً للذاكرة:
تفرغ الملاحي في مرحلة لاحقة للبحث والدراسة، متتبعاً تاريخ حضرموت وأمكنتها التراثية ومخطوطاتها، ومستكشفاً جوانب من حياتها الاجتماعية والثقافية والبحرية، وعلاقات أبنائها بالمجتمعات التي امتدت إليها هجراتهم عبر التاريخ.
ولم تقتصر كتاباته على رصد الأحداث والوقائع، بل اتجهت إلى توثيق تفاصيل الحياة الحضرمية ومعارف أهلها وعاداتهم وامتداداتهم الإنسانية والثقافية، ومن أبرز مؤلفاته ودراساته:
- الحضارم في ممباسا ودار السلام.
- الدلالات الاجتماعية واللغوية والثقافية لمهرجانات ختان صبيان قبائل المشقاص وثعين والحموم.
- ملامح من التداخل المعرفي بين ربابنة حضرموت وعُمان.
- روزنامات الربان بامعيبد.
وتعكس هذه المؤلفات اهتمام الملاحي بتوثيق تفاصيل المجتمع الحضرمي وتاريخه، من عاداته وتقاليده إلى معارفه البحرية وامتداداته الثقافية والإنسانية، مقدمةً مادة معرفية وتاريخية قيّمة للباحثين والمهتمين بتراث حضرموت.
》ذاكرة الرجال مسؤولية الأجيال:
لا تُقاس قيمة الرجال بالمناصب والألقاب، بل بما يتركونه من علم وأثر نافع. ومن هذا المنطلق، تستحق سيرة الأستاذ عبدالرحمن الملاحي مزيداً من الاهتمام، عبر إتاحة مؤلفاته وأبحاثه في المكتبات والمراكز الثقافية، وإعادة طباعة ما تعذّر الوصول إليه منها، وتنظيم فعاليات وندوات تستعرض تجربته وإسهاماته.
كما تبرز أهمية تضافر جهود السلطات المحلية والجهات الثقافية والأكاديمية لجمع وثائقه ومخطوطاته وصوره وشهادات معاصريه، وتوثيقها بما يضمن حفظ تجربته العلمية والثقافية وإتاحتها للأجيال القادمة.
》دعوة لاستعادة الحكايات واستكمال التوثيق:
ومن خلال هذه المنصة، ندعو تلاميذ الأستاذ عبدالرحمن الملاحي ومحبيه وأصدقاءه والباحثين والمهتمين بتاريخ حضرموت، وكل من عرفه أو قرأ له، إلى مشاركة ما لديهم من ذكريات وشهادات ومواقف، وما يحتفظون به من صور ووثائق ومخطوطات ومؤلفات تتصل بسيرته؛ إسهاماً في استكمال توثيق حياته وجمع شتات ذاكرته العلمية والإنسانية.
》ما يبقى من الإنسان.. أثره:
يرحل الإنسان، لكن عظيم الأثر لا ترحل ذكراه؛ إذ تبقى أعماله شاهدة على عطائه، وتظل معارفه منارات تهتدي بها الأجيال. وهكذا يبقى الأستاذ عبدالرحمن الملاحي حاضراً بما خلّفه من علم وتوثيق وإرث ثقافي يستحق الوفاء والصون. فرحم الله رجلاً غاب جسده، وبقي أثره حياً في ذاكرة حضرموت؛ سيرةٌ جديرة بأن تُروى، وعلمٌ يستحق أن يُورث، واسمٌ حريٌّ بأن يبقى حاضراً في وجدان الأجيال.






