القضية الحضرميةوجهود التواصل مع الأمم المتحدة: قراءة في المأزق التاريخي وآفاق الحل
بقلم | أ.د. خالد سالم باوزير
ربما قد لا يعلم الكثير منا أن مكاتب وهيئات المبعوث الأممي إلى اليمن تعمل وفق أجندة محددة ترسمها لها منظمة الأمم المتحدة، وهي تتعامل بطبيعة الحال مع الدولة والأحزاب وبقية المكونات السياسية.
وقضية حضرموت المزمنة تعود جذورها إلى عام 1967؛ فبعد خروج بريطانيا وإنهاء حكم السلاطين –حيث أُنهيت أعظم سلطنتين في حضرموت، وهما: السلطنة القعيطية في المكلا، والسلطنة الكثيرية في سيئون– ضُمّت حضرموت قسراً إلى الجبهة القومية.
ولم تكن هناك طوال فترة حكم دولة الجنوب مصرحاً بها سوى حزب «الجبهة القومية»، الذي تحول إلى حزب اشتراكي في عام 1978، ليحكم حضرموت وبقية سلطنات الجنوب.
يهمنا هنا أن نستحضر ما آلت إليه أوضاع حضرموت خلال ضمها إلى اليمن الجنوبي لمدة تجاوزت عقدين حتى عام 1990.
كانت علاقات دولة الجنوب مع الأمم المتحدة طبيعية في الأحوال العادية، لكنها كانت تتأثر جوهرياً كلما اندلعت أزمات أو صراعات سياسية وعسكرية، مثل الحروب بين اليمن الجنوبي وقوات الشمال، أو أحداث 1978، وأحداث 13 يناير 1986. وظلت الدولة المعنية ممثلة في منظومة الأمم المتحدة حتى عام 1990.
ولم تستقر الأوضاع في الجنوب بعد دخول الوحدة –التي كانت حضرموت جزءاً منها– حتى ظهرت الخلافات بين شركاء الوحدة وتدخلت أطراف متعددة، إلى أن تم توقيع «اتفاق عمان» وما يُسمى بوثيقة العهد والاتفاق، التي انقلب عليها الرئيس الأسبق صالح قبل أن يجف مدادها.
اندلعت حرب الشمال على الجنوب في أبريل 1994، والتي انتهت بهزيمة الجنوب وطرد القيادات والكوادر والجيش الجنوبي من السلطة، واستأثر الشمال بحكم الجنوب حتى ظهرت لاحقاً جمعيات «التصالح والتسامح» الجنوبي وتجريم الاقتتال الداخلي.
مع استمرار هيمنة الشمال على الجنوب منذ عام 1994 وحتى عام 2007، اندلعت انتفاضات شعبية متتابعة في عام 1998 ضد حكم الشمال، وتأسست الصحف والجمعيات الأهلية، وتوجت تلك الجهود بتصالح الجنوبيين متجاوزين تداعيات ما قبل الوحدة وبعدها.
ثم جاءت حرب 2014 واجتياح الحوثيين لمدينة عدن، ليقوم الجنوبيون بطرد الحوثيين من عدن وبقية المحافظات المحررة، في حين خضعت حضرموت لسطوة قوات يمنية متعددة حتى اجتاح تنظيم القاعدة مدينة المكلا وحضرموت في عام 2015.
ولكن، بجهود رجالها الأبناء وبدعم صادق من قوات التحالف العربي، تحررت حضرموت من سيطرة التنظيمات الإرهابية. ولا شك أن قرارات أممية عدة قد اتخذت، سواء بعد اجتياح الجنوب في عام 1994 أو بعد اجتياح الشمال من قِبل الحوثيين، وعُيّن على إثرها مندوبون أُمميون فُتحت لهم مكاتب في عدن والأردن ومحطات إقليمية أخرى؛ لمساعدة اليمنيين في حل أزمات الصراع وتقديم الإغاثة والمساعدات الإنسانية.
اليوم نحن في نهاية عام 2026، أي بعد أكثر من اثنين وستين عاماً على ضم حضرموت إلى الجنوب، ثم إدخالها عنوة مع الشمال في وحدة غير متكافئة كان الخاسر الأكبر فيها هم الحضارم، هذا الشعب العريق المعروف بالسلم والتجارة والثقافة والعلم. وما زالت حضرموت تعاني تبعات ذلك.
أُقترح على المكونات السياسية والثقافية والاجتماعية الحضرمية –وخاصة «مؤتمر حضرموت الجامع» و«حلف قبائل حضرموت» وغيرهما– أن تطور من علاقاتها وتواصلها مع مكاتب المبعوث الدولي في عدن أو الأردن أو جنيف .
لابد من الحديث عن القضية الحضرمية مع مندوبي ومساعدي المكتب الدولي وشرح تفاصيلها لهم؛ لكي يحيطوا عن قرب بمعالم القضية العادلة لحضرموت التي تشكل مساحتها ثلث مساحة اليمن، وثلثي مساحة دولة الجنوب، بينما يشكل شعبها في الداخل وفي بلدان المهجر نسبة كبيرة اضطرتهم الظروف المعيشية والسياسية إلى الهجرة للعيش والعمل نتيجة لعدم استقرار الأوضاع في الوطن.
إن مكاتب الأمم المتحدة تتعامل رسمياً مع الدول، لكنها في الوقت ذاته تتواصل وتتفاعل مع الأحزاب والمكونات المجتمعية؛ ولهذا فإن المطلوب من جميع الحضارم هو التقارب، والتنسيق، وتوضيح مظلومية الأمة الحضرمية في الداخل ومختلف الشتات لموظفي الأمم المتحدة.
يجب أن تطلع المنظمة الدولية على أوضاع حضرموت وأهلها، لتقوم بدورها في إحلال الأمن والسلام والاستقرار، وإنصاف حضرموت مما تعرضت له من ظلم، ونهب للثروات، وتهميش سياسي واقتصادي طوال حقبة دولة الجنوب وصولاً إلى دولة الوحدة وإلى يومنا هذا.
لن يتولى شرح قضية حضرموت والدفاع عنها إلا أهلها، ومثقفوها، وأكاديميوها، وإعلاميوها، وقواها السياسية الحية، كلٌ من موقع اختصاصه، حتى نحافظ على هويتنا الحضرمية وسيادتنا، وصولاً إلى تحقيق تطلعات شعبنا –إن تطلب الأمر– في حق تقرير المصير.
هذا، والله من وراء القصد.






