اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

بين بُعد القريب وقُرب البعيد.. تبدأ حكاية التفكك الاجتماعي

بين بُعد القريب وقُرب البعيد.. تبدأ حكاية التفكك الاجتماعي

بقلم / سلطان فايز بشر الجابري
الجمعة | 30 أكتوبر 2026م

بسم الله الرحمن الرحيم

إن من أعظم ما يهدد تماسك المجتمعات ليس كثرة الخلافات وحدها، بل غياب الاحتواء، وشعور البعض بالتهميش، وعدم إعطاء كل ذي مكانته وقدره من الاهتمام والتقدير.

فكم من قريبٍ أصبح بعيدًا بسبب التجاهل، وكم من بعيدٍ أصبح قريبًا بسبب الاهتمام وحسن التعامل! وهنا تكمن إحدى المشكلات التي قد تتسلل إلى مجتمعاتنا دون أن نشعر، حتى تصبح آثارها واضحة في النفوس والعلاقات والروابط الاجتماعية.

إن عاقل المجتمع، ومن يتصدر لمكانة الإصلاح والوجاهة بين الناس، تقع على عاتقه مسؤولية عظيمة، لا تقتصر على فض النزاعات عند وقوعها، بل تبدأ قبل ذلك، من خلال التقرب من الجميع، والاستماع إليهم، وتقدير مكانتهم، والحرص على ألا يشعر أحد بأنه خارج دائرة الاهتمام أو أنه أقل شأنًا من غيره.

فليس من الحكمة أن يتقرب الإنسان من أشخاص ويبتعد عن آخرين، أو يمنح هذا الاهتمام ويمنعه عن ذاك، أو يجعل القرب والاعتبار حكرًا على فئة دون أخرى؛ فمثل هذه التصرفات، وإن بدت بسيطة في بدايتها، قد تترك في النفوس آثارًا عميقة، وتزرع بذور الجفاء والعتب، ومع مرور الأيام قد تتحول إلى خلافات وانقسامات يصعب احتواؤها.

ولنعلم أن التهميش لا يصنع مجتمعًا متماسكًا، وأن الانتقائية في التعامل لا تبني جسور المحبة، بل قد تخلق مسافات بين أبناء المجتمع الواحد، وتفتح أبوابًا للتفرق والتباعد، حتى يصبح القريب غريبًا، ويجد البعيد مكانًا لم يجده القريب.

ومن أجمل الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها عاقل المجتمع جبر الخواطر؛ فالكلمة الطيبة، والسؤال عن الغائب، وتقدير الحاضر، والإنصاف في التعامل، والوقوف مع الجميع دون تمييز، كلها أمور قد تبدو صغيرة، لكنها عظيمة الأثر في النفوس.

فجبر الخواطر ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو سلوك ومواقف وأفعال، وهو أن تجعل من حولك يشعرون بقيمتهم، وأن تحفظ للناس مقاماتهم، وألا تكسر خاطر أحد بكلمة أو موقف كان بالإمكان تجاوزه بحسن التعامل.

إن المكانة الاجتماعية الحقيقية لا تُقاس بعدد من يلتفون حول الإنسان، بل بعدد القلوب التي تحمل له المحبة والاحترام، ولا تُبنى بالوجاهة وحدها، وإنما تُصان بالعدل والتواضع وحسن الخلق واحتواء الجميع.

فلنراجع أساليب تعاملنا، ولنُدرك أن المجتمعات لا تتفكك فجأة، بل تبدأ حكاية تفككها حين يشعر بعض أبنائها أنهم مهمشون، وأن وجودهم لا يُحدث فرقًا، وأن القرب والاهتمام لا يُمنحان للجميع بالقدر نفسه.

كونوا قريبين من الجميع، واجبروا الخواطر قبل أن تنكسر، واحتووا النفوس قبل أن تتباعد؛ فليس أصعب على الإنسان من أن يشعر بالغربة بين أهله وأبناء مجتمعه.

فالمجتمع المتماسك لا يقوم على قرب البعض وبُعد البعض الآخر، بل يقوم على العدل والاحتواء والتقدير، وعلى قلوب تتسع للجميع.

وفي الختام، فإن الحديث عن هذه الظواهر ليس انتقاصًا من أحد، ولا عتابًا موجّهًا لشخص بعينه، وإنما هو طرح اجتماعي غايته التنبيه إلى أهمية التلاحم، وتعزيز روابط المحبة والتقدير بين أبناء المجتمع الواحد؛ فالمجتمعات الواعية هي التي تناقش مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، وتحرص على إصلاح ما يمكن إصلاحه حفاظًا على وحدتها ومستقبل أبنائها.

والله من وراء القصد.

إغلاق