أبواب الجنة المنسية ( 2 ): باب إهمال كبار السن داخل الأسرة .. جرحٌ لا يُرى!
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الجمعة 23/ أكتوبر/ 2026م.
*▪️هناك آباء وأمهات بلغوا من العمر عتيًّا، لم يعودوا يريدون من أبنائهم مالًا كثيرًا، ولا هدايا ثمينة، ولا قصورًا فاخرة .. كل ما يريدونه هو أن يشعروا أنهم ما زالوا مهمين في هذه الحياة.*
*يريد الأب أن يجلس معه ابنه دقائق .. يريد أن يسمع صوته، أن يسأله: كيف حالك يا أبي؟ يريد أن يحكي له قصة قديمة ربما سمعها الابن عشرات المرات .. لكن الأب لا يريد القصة بقدر ما يريد الابن الذي يستمع إليها.*
*وتلك الأم المسنّة التي أفنت عمرها في تربية أبنائها .. قد لا تحتاج إلى شيء سوى يدٍ تمسك يدها، وقبلة على رأسها، وكلمة تقول لها:*
*“نحن بجانبك يا أمي .. ولن نتركك وحدك.” لكن المؤلم .. أن بعض البيوت أصبحت مزدحمة بالأبناء، ومع ذلك يعيش فيها كبير السن وحيدًا!*
*الأبناء منشغلون بالهواتف .. بالعمل .. بالأصدقاء .. بالزيارات .. بوسائل التواصل .. بالمشكلات .. بالحياة التي لا تنتهي*
*أما الأب أو الأم فيجلس في زاوية البيت، ينتظر أحدًا يلتفت إليه.*
*يا الله… كم هو مؤلم أن يكون الإنسان محاطًا بأهله، لكنه يشعر أنه غريب بينهم!*
*قد تجد الأبناء يتنافسون على تصوير وجباتهم ورحلاتهم ومناسباتهم، بينما أبوهم الذي كان بالأمس يحملهم على كتفيه لا يجد من يجلس بجانبه عشر دقائق!*
*وقد تجد الأم التي كانت تسهر الليالي من أجل راحة أبنائها، أصبحت اليوم تنتظر منهم سؤالًا بسيطًا:”هل تحتاجين شيئًا؟” فلا يأتي السؤال!*
*أيها الأبناء .. لا تجعلوا كبار السن في بيوتكم يشعرون أنهم عبء عليكم، لا تجعلوا مرضهم مصدر ضيق .. ولا تكرار حديثهم سببًا للسخرية .. ولا بطء حركتهم سببًا للانزعاج .. ولا حاجتهم إليكم سببًا للتأفف.*
*تذكروا جيدًا: هذا الذي تمشي أمامه اليوم ببطء، ربما كان يومًا يمشي مسرعًا من أجلك.*
*وهذه التي تكرر عليك الكلام اليوم، ربما كررت عليك ألف مرة وأنت طفل: “كل يا ولدي.” “نم يا ولدي.” “البس يا ولدي.” “انتبه يا ولدي.” “الله يحفظك يا ولدي.”*
*فلا تضجر من تكرارها اليوم… فقد كررت عليك حبها طوال عمرك.*
*قال الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾*
*تأملوا .. “عندك الكبر” أي أن القرآن يلفت أنظارنا إلى مرحلة يحتاج فيها الوالدان إلى الرعاية والرحمة والصبر.*
*ثم يقول: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ما أعظمها من آية!*
*كما ربياني صغيرًا .. فكما كنت صغيرًا لا تستطيع أن تخدم نفسك، سيأتي يوم يكبر فيه والداك ويحتاجان إلى من يخدمهما.*
*وكما كنت تحتاج إلى من يطعمك، ويحملك، ويصبر على بكائك، ويعيد عليك الكلام، ويعتني بك .. قد تحتاج أنت يومًا إلى أن تفعل ذلك معهما.*
*ولا تنسوا قول النبي ﷺ: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة».*
*يا من لا يزال أبوه حيًا .. اذهب إليه، اجلس بجانبه، اسأله عن صحته، استمع إلى حديثه، حتى لو كان مكررًا، قبّل رأسه، أمسك يده، اصطحبه معك، اقضِ معه وقتًا، لا تجعل علاقتك به مقتصرة على تحويل مبلغ مالي أو توفير الدواء والطعام، فالمال لا يعوّض غيابك، وقد يكون أبوك لا يحتاج منك شيئًا سوى أن تجلس أمامه وتقول:*
*“حدثني يا أبي… أنا أسمعك.” وقد تكون أمك لا تريد منك شيئًا سوى أن تقول لها: “اشتقت لك يا أمي.”*
*واعلموا أن كبار السن لا يحتاجون إلى الرعاية الجسدية فقط .. بل يحتاجون إلى الرعاية النفسية والعاطفية أيضًا.*
*يحتاجون إلى الشعور بالتقدير، يحتاجون إلى أن يُستشاروا، يحتاجون إلى أن يسمعوا كلمات الحب، يحتاجون إلى أن يشعروا أنهم ما زالوا جزءًا مهمًا من الأسرة.*
*فلا تحرموا آباءكم وأمهاتكم من أجمل سنوات أعمارهم الأخيرة بسبب انشغالات يمكن تأجيلها.*
*فالوظيفة ستبقى .. والهاتف سيبقى .. والأصدقاء سيبقون .. والرسائل ستتراكم .. والعمل سيستمر .. لكن عمر الأب والأم لا يعود، سيأتي يوم تبحث فيه عن ذلك الصوت فلا تجده، ستدخل البيت فتفتقد ذلك الكرسي الذي كان يجلس عليه، سترى مكانه فارغًا*
*وستتمنى لو يعود بك الزمن ساعة واحدة فقط .. لتجلس بجانبه .. ولتقول له: “سامحني يا أبي .. لقد قصّرت.” أو: “سامحيني يا أمي .. كنت مشغولًا عنك.”*
*لكن حينها لن ينفع الندم، لذلك .. لا تنتظروا الجنازات حتى تعرفوا قيمة آبائكم، لا تنتظروا المرض الأخير حتى تهتموا بهم، لا تنتظروا أن يصبح صوتهم ذكرى حتى تشتاقوا إليه.*
*أحبوهم وهم بينكم، أكرموهم وهم أحياء، اجلسوا معهم، اسمعوهم، احتضنوهم، أدخلوا السرور إلى قلوبهم، خففوا عنهم الوحدة، وإذا غضبوا أو كرروا الكلام أو أخطأوا .. اصبروا عليهم كما صبروا عليكم.*
*فربما يكون ذلك الكرسي الذي يجلس عليه والدك اليوم هو آخر مكان تجلس فيه معه .. وربما تكون تلك المكالمة التي تؤجلها منذ أيام هي آخر فرصة لسماع صوته .. وربما تكون تلك الزيارة التي تقول عنها “غدًا” هي الزيارة التي لن تحدث أبدًا.*.
*يا أبناء اليوم .. تذكروا أنكم آباء وأمهات الغد، والدائرة تدور .. ومن يزرع الرحمة في والديه اليوم، سيجد بإذن الله أثرها في حياته.*
*رسالة لكل أسرة: لا تتركوا كبار السن في بيوتكم يعيشون شيخوختهم في صمت ووحدة، فهم ليسوا عبئًا .. إنهم تاريخ البيت، وبركته، وذاكرته، وأجمل ما تبقى من أيام الأمس.*
*اعتنوا بهم اليوم .. فغدًا قد تتمنون دقيقة واحدة فقط معهم،فلاتجدوهم*
*من سلسلة: أبواب الجنة المنسية*






