اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

شلال دم يمني وسط جفاف سياسي

شلال دم يمني وسط جفاف سياسي

الجمعة 23 أكتوبر 2026م
بقلم/ عوض باشعيوث

يقف اليمن اليوم في قلب صراع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه جبهات الخليج وإيران، وتتسع معه مخاطر الحرب، بينما تتراجع فرص الوساطة السياسية أمام تصاعد المواجهة وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
ما يحدث في هذه البقعة الاستراتيجية من العالم لا يمكن قراءته بوصفه صراعًا يمنيًا معزولًا، بل هو جزء من معادلة إقليمية ودولية تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والسياسية، وتتنافس فيها القوى على النفوذ وممرات المصالح الاستراتيجية. وفي خضم هذا المشهد، يبدو اليمن أكثر عرضة لتداعيات الصراع، بعدما أنهكته سنوات الحرب، وأثقلته الأزمات، وتركته مكشوفًا أمام مخاطر تتجاوز قدراته وإمكاناته.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن صوت المدافع قد يطغى على صوت السياسة، وأن تتراجع المعايير الأخلاقية والاعتبارات الإنسانية أمام منطق القوة، لتصبح الدماء هي اللغة الأكثر حضورًا، فيما تتوارى الحلول السياسية خلف حسابات المواجهة والمصالح المتصارعة.
وتزداد خطورة المشهد مع اتساع الجغرافيا المحتملة للحرب، واحتمالات انخراط أطراف إقليمية ودولية جديدة فيها، الأمر الذي يضع دول المنطقة أمام اختبارات صعبة، ويثير تساؤلات جدية حول قدرة الوساطات الدبلوماسية على احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع يصعب التحكم في مساراتها ونتائجها.
وفي هذا السياق، تبدو عُمان وقطر أمام تحدي مواصلة جهودهما الدبلوماسية وتجنب الانخراط في المواجهة الدائرة، بينما تظل احتمالات توسع الصراع وتداعياته على دول أخرى قائمة. كما أن الزج بمصر في مسارات المواجهة، إن حدث، قد يضيف أبعادًا جديدة إلى أزمة تتجاوز حدود أطرافها المباشرين.
إنها مرحلة فارقة، لا تكمن خطورتها في حجم المواجهات وحده، بل في تراجع المساحة المتاحة للحلول السياسية، وفي احتمالات انزلاق المنطقة إلى صراع مفتوح تتشابك فيه الجبهات وتتعدد فيه الأطراف، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
لقد ظل اليمن، لأكثر من عقد، بلدًا محاطًا بالمخاطر، تتنازعه الصراعات وتستنزفه التدخلات وتضعف مؤسساته أزماته المتراكمة. واليوم، يجد نفسه مجددًا في مواجهة تداعيات صراع إقليمي لا يمكن فصل ملفه عن ملفات المنطقة، ولا يمكن معالجة أزمته بمعزل عن التفاهمات والتوازنات التي تحكم محيطه.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة إلى استعادة السياسة قبل أن تتسع دائرة الدم، وإلى تغليب لغة الحوار على حسابات القوة، وإدراك أن استمرار الحروب لن يصنع استقرارًا دائمًا، بل سيترك وراءه مزيدًا من الخراب والانقسام والمعاناة.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من ساحات المواجهة، بل إلى إرادة سياسية تنقذه من أن يكون وقودًا لصراعات الآخرين، وتعيد الاعتبار للإنسان اليمني الذي دفع، ولا يزال يدفع، ثمن سنوات طويلة من الحرب والخذلان.
إن شلال الدم اليمني لن يتوقف ما دام المشهد السياسي يعاني الجفاف، وما دامت لغة المصالح تتقدم على لغة السلام.

إغلاق