اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

فخ استنزاف الجنوب..بين العمى السياسي لقياداته، وتخادم خصومه، وحسابات الإقليم

فخ استنزاف الجنوب..بين العمى السياسي لقياداته، وتخادم خصومه، وحسابات الإقليم

بقلم: م/ أحمد صالح الغلام العمودي

سؤال للتأمل: أيعقل لــ «الشرعية اليمنية» التي تحظى بدعمٍ سخيٍ ومفتوح من المملكة العربية السعودية لاثني عشر عاماً، أن تعجز عن تحرير «« شبرًا واحدًا في الشمال »»، لولا أن هذا العجز يُمثّل «عقيدةً» وقراراً سياسياً لا مجرد إخفاقٍ ميداني؛ لتظل البنادق مُدخرة ومُصوبة نحو وجهةٍ أخرى في وقت آخر؟
وبعد

تُقاس الحكمة في الصراعات في تحويل الانتصارات الميدانية لمكاسب استراتيجية لأهلها، لا لتتحول مكاسب للخصوم أو حطبًا لمعارك الآخرين. ومن هنا، فأزمة الجنوب رغم تضحياته الجسام، تنبع من ثالوثٍ حاكم: إملاءات التحالف القسرية، وبراغماتية الشمال في استنزافه للجنوب وادخار قواه، وارتجال السياسات الجنوبية المرتهنة للعاطفة على حساب الشراكات المؤسسية الملزمة. ولصون القضية، ينصبّ تشخيصنا لأداء “المجلس الانتقالي الجنوبي” من موقع الحرص، لا من موقع الهدم بالمعاول، في مسارين مِفْصليْن، تتضاءل دونهما بقية الهفوات وهما: إدارة العلاقة مع التحالف العربي، وإدارة الشراكة مع الشرعية اليمنية.

رغم أن القوات الجنوبية مثّلت الرافعة الميدانية الأهم لتغيير الموازين ومنح التحالف والشرعية موطئ قدم راس على الأرض، إلا أن هذا التفوق العسكري أُدير بمنطق مجرد من شروط الشراكة المتكافئة. وقد تجلى الإخفاق في العجز عن ترجمة تلك التضحيات إلى ضمانات سياسية ومؤسسية ملزمة تخدم مشروع استعادة الدولة؛ مما أجهض فرصة تحصين المكتسبات، وأكثر من ذلك فتح الباب لإعادة توظيف تضحيات القوات الجنوبية لخدمة ترتيبات سياسية تتناقض مع المشروع الذي قاتلت من أجله. ولنا في المقابل، لتوضيح المقصد، أن نرى مفارقة احتفاظ حزب “الإصلاح” بتموضعه السياسي واحتضان المملكة له، رغم ضآلة إنجازاته الميدانية، وتُهم تسليمه للشمال، وعدائه الأيديولوجي للرياض. وهذا ما يُحسب لإدارة قيادته البراغماتية للحرب؛ إذ عطّلت المواجهات وادّخرت ترسانته ورجاله لمعركته الحقيقية المؤجلة، التي تستحق الخوض في نظرها: فرض الوحدة، ومواجهة مشروع الاستقلال الجنوبي.

ويعود هذا الخلل عند الجنوبيين، إلى تغليب الحماس العاطفي لتحرير أرضهم، على ماهية الشراكة السياسية مع التحالف والشرعية لمستقبل الجنوب ما بعد الحرب. وقد تجلى ذلك في القراءة الساذجة للتغاضي عن رفع العلم الجنوبي في المعارك العسكرية باعتباره دعمًا ضمنيًا والتزامًا تجاه مشروعهم السياسي. وتم إغفال أن العواطف والوفاء للحلفاء تستمر ما دامت تحقق منفعة متبادلة، وتفقد قيمتها عندما تحل محل المصالح الاستراتيجية، أو تُغني عن الضمانات السياسية والمؤسسية الكفيلة بحفظ الحقوق، ومنع إعادة تعريفها كلما تغيرت موازين القوى أو تبدلت الأولويات بتبدل الظروف والمواقف. وبفعل غياب هذا الشرط الحاكم، استحالت مخرجات الحرب وشلالات الدماء ــ ولا سيما بعد أحداث حضرموت ــ مكاسبَ للآخرين، وخسائر سياسية لمن تحمل عبئها. وعليه، لا ينبغي ان يدخل الجنوبيون عامهم الثاني عشر من الحرب بذات العقلية والمعادلات التي خاضوا بها في عامهم الأول.

أما الخطأ الثاني، فيتجلى في سوء إدارة الشراكة مع سلطة الشرعية، بالاستناد إلى الانتماء الجغرافي والحزبي المجرد، عِوضاً عن الولاء للمشروع السياسي. ولئن كانت هذه الشراكة ضرورة استراتيجية أثمرت مكاسب مهمة للانتقالي، فإن الخطيئة لم تكن في أصل قبولها، بل في الرضوخ لمعيار “المناصفة” مقطوع الصلة من شرط التفويض للمشروع الجنوبي. وهذا الخلل مكّن الأحزاب اليمنية من استغلال حصة الجنوب لتمرير شخصيات جنوبية الانتماء، شمالية المشروع السياسي ــ في فرض الوحدة بالقوة ــ، بل أشد خصومة لمشروع الاستقلال في أحيان كثيرة من النخب الشمالية ذاتها؛ مما أفضى إلى تقزيم التمثيل الفعلي للمشروع الجنوبي، واستحواذ أحزاب صنعاء على مقاليد القرار تحت مظلة الانتماء للجغرافيا الجنوبية.

وقد يعترض معترض بالقول: بأن هذا النهج يُقصي الجنوبي الوحدوي؛ والردُّ على ذلك بالقول: أن شراكة المجلس الانتقالي تأسست على تمثيل “المشروع السياسي للجنوب” لا مجرد “تمثيل الانتماء الجغرافي”، ولو كانت الجغرافيا معيارًا للشراكة الفاعلة، لكان الرئيس الراحل هادي كفيلاً وأجدر بها من غيره، ولما استمرت معاناة الجنوب لأكثر من ثلاثين عامًا حتى اليوم. فالواقع أن القوى الشمالية دأبت منذ صيف 1994 على توظيف الانتماء الجغرافي لضرب الإرادة السياسية الجنوبية، عبر تصدير شخصيات جنوبية الهوية، وشمالية الهوى، لا وظيفة لها سوى مناكفة تيار الاستقلال، وتمرير مشروع هيمنة الهضبة الزيدية على الجنوب بأيادٍ جنوبية.

وعليه، فلو تم الأخذ بمعيار الانتماء للمشروع السياسي بدلاً من الأخذ بالانتساب الحزبي والجغرافي، لاضطرت أحزاب الشمال بالدفع بكوادرها الشمالية لتمثيلها حصرًا؛ مما سيُجلي ضبابية المشهد، ويضع الجنوبيين المنخرطين في هذه الأحزاب أمام حقيقة دورهم الوظيفي التي توظفهم فيها نخب الهضبة الزيدية لمصالحها الاستراتيجية. فالممارسة العملية تُثبت أن القوى الشمالية بشقيها (الشرعي والحوثي)، رغم صراعها السلطوي السطحي، تتوحد استراتيجيًا لفرض الوحدة بأي ثمن، ومع ذلك، حافظ كل طرف منها على اتساق تمثيله السياسي مع مشروعه الخاص، ولا تسمح بتصدُر واجهتها السياسية لأي شخصية لا تدين بالولاء المطلق لمشروعها، حتى ولو كان شمالي الانتماء الجغرافي. ومن هنا، فإن إخفاق “الانتقالي” في هذه النقطة أهدر فرصة تاريخية لفرز الاصطفافات بوضوح بين مشروعي “فك الارتباط” و”الوحدة المفروضة بالقوة”. ويبقى التساؤل أمام إخوتنا الجنوبيين في أحزاب الشمال: لماذا لا نجد شماليًا واحدًا يتبنى المشروع الجنوبي، بينما ينبري بعضنا للدفاع عن مشروع شمالي استباح الجنوب باسم وحدةٍ غدر بها الشمال نفسه؟!

وفوق ذلك، فلم تف تداعيات هذا الخلل عند حدود معيار التمثيل السياسي الذي قَبِل به الانتقالي، بل انسحبت على نوعية النخب المُمثلة للمشروع الجنوبي حكوميًا؛ حيث برزت اختلالات جوهرية تجلت في فقر الكفاءة والخبرة الإدارية والسياسية، وتورط بعض المحسوبين على المجلس في ممارسات فساد. وهي أخطاء لا تقتصر تداعياتها على مرتكبيها، بل تضرب في صميم مصداقية المشروع وتزعزع ثقة الحاضنة الشعبية به. إذ لا تنفصل كفاءة النخب ونزاهتها عن قدرة أي مشروع سياسي على اكتساب المصداقية وتعزيز الثقة به من قبل جماهيره ولجم خصومه. ومما فاقم الأزمة، تنامي الشعور بالإقصاء والتهميش لدى شريحة واسعة من الكفاءات الجنوبية المخلصة لقضيتها؛ وسواء صح هذا التقدير في جميع الحالات أم لم يصح، فقد أضعف الالتفاف الشعبي، ومنح خصوم المشروع ذخيرةً مجانية لاستثماره سياسيًا وإعلاميًا للطعن في خطابه وممارساته.

وإذا كانت تلك الشواهد قد ساهمت، في إهدار التضحيات، واستنزفت المشروع الجنوبي في نسخته الأولى بقيادة “الانتقالي”، مع عدم الاستهانة بدورٍ إقليمي وظّف الدماء الجنوبية لمصالحه الاستراتيجية بمعزلٍ عن تطلعات الشعب الجنوبي، فإننا نقف اليوم أمام نسخة استنزافية جديدة، تتصدرها هذه المرة يافطة “التيار السلفي الجنوبي” وقيادته. وفي هذه المرحلة، تتناسخ الأخطاء السابقة بحذافيرها وكأن التجربة لم تُخض؛ بدءاً بالارتهان لوهم تأجيل القضية الجنوبية حتى دحر الحوثي، مروراً بالانخداع بالتغاضي الشكلي عن رفع الأعلام الجنوبية في الجبهات، وصولاً إلى المفارقة العبثية بتجيير الآلة الإعلامية للتحالف والشرعية انتصارات وتضحيات القوات الجنوبية لصالح “جيش يمني” شبحي لا أثر له في الميدان! بيد أن الخطورة القصوى لنسخة الاستنزاف الجديدة تكمن في زجّ القوات الجنوبية في معارك راهنة مجردةً من أي مظلة سياسية مؤطرة بهدف سياسي ناظم. وتُخاض هذه المواجهات في ظل انقسام داخلي يفتقد لزخم الإجماع الشعبي الذي وفّرته الضرورة الوجودية لدحر الغزو الشمالي في المرحلة الأولى.

أما المفارقة الموجعة، لهذا الاستنزاف، فتتجلى في إعادة إنتاج ذات الممارسات للقوى الشمالية، لجهة الإحجام عن خوض أي غمار معارك حقيقية وناجزة مع الجماعة الحوثية. وفي تكرار لسيناريوهات الخذلان، تُسلم هذه القوى مناطقها وترساناتها العسكرية بلا مقاومة، ليحيلها الحوثي إلى نيران موجهة ضد الجنوب والمملكة، في حين يلوذ قادتها بالفرار نحو عدن. وهكذا تُترك القوات الجنوبية لتواجه مصيرها وحيدة في الساحل الغربي، لا يسندها سوى شرفاء مقاومة محافظة تعز. ويكتمل مشهد التخادم بتجميد متعمد لبقية الجبهات الشمالية، لضمان عدم تشتيت جهد الحوثي العسكري، وخدمة له في تركيز ثقله بالكامل نحو القوات الجنوبية ومقاومة تعز.

وهكذا يستمر استنساخ الأخطاء القاتلة دون اعتبارٍ من تجارب مريرة ما تزال شاخصة، مما يدفعنا للتساؤل الحائر: هل ثمة تفاهمات خفية تحكم العلاقة بين التحالف والشرعية والحوثيين، تُحيل شلالات الدم الجنوبي إلى مجرد أوراق مساومة على طاولات التفاوض؟ نرجو أن يكون الأمر خلاف ذلك. وإذا ما هناك من خلاصة لهذا النهج كما نراها فهي: يُراد للجنوب أن يحضر بثقله العسكري وتضحياته الدامية في الميادين، وأن يُغيّب ويُهمّش في كواليس القرار السياسي الذي يرسم مستقبله؛ لتبقى صياغة هذا المصير حكراً على الإقليم والقوى اليمنية ــ بشقيها الشرعي والانقلابي ــ بما يتطابق مع مصالحها الاستراتيجية، وعلى حساب الإرادة الجنوبية.

وبقراءة معارك التحرير الثاني للساحل الغربي بالدماء الجنوبية اليوم، يبرز تحولٌ بنيوي خطير بين الأمس واليوم؛ فبعد أن أدار “الانتقالي” مواجهاته تحت مظلةٍ وطنية غايتها استعادة الدولة، تُساق المعارك الراهنة بقيادة “التيار السلفي” ــ وبدفعٍ إعلامي مكثف لفضائيات عربية ــ لفرض توصيف المواجهات وتأطيرها ضمن قوالب دينية ومذهبية. هذا الانزلاق الطائفي لا يجرّد المشروع الجنوبي من محتواه التحرري فحسب، بل يطعن جوهر القضية الجنوبية وحق تقرير المصير لشعب الجنوب في الصميم. والأدهى أنه يمنح الحوثيين ذريعةً مجانية لاستنفار العصبية المذهبية، وحشد الطاقات الديموغرافية والعسكرية لـ “الهضبة الزيدية” المهولة لضرب الجنوب؛ أرضاً وإنساناً ومشروعاً، ناهيك عما سيشكله هذا من تحويل الجنوب إلى ساحات تمرح فيها التيارات الجهادية من كل حدب وصوب.

وتأسيساً على ما تقدم، يبقى التصدي للحوثي واجباً حتمياً، بما لا يتجاوز الجغرافيا الجنوبية وظهيرها الاستراتيجي المباشر. أما التورط في تحرير شمال يخذله أبناؤه، دون ضمانات سياسية تقطع بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره، فليس سوى استنزاف مجاني وعبث يفوق طاقة القوات الجنوبية، أيًّا كانت اليافطة التي تقاتل تحتها؛ إذ يستحيل عليها مهما استبسلت، سد فراغ الجغرافيا الشمالية الشاسعة أو استهلاك خزانها البشري الهائل. كما لا يفوت المراقب رصد، أن هذا الزجّ العبثي يجري وسط تربصٍ مريب من قوى “الشرعية” الشمالية، التي تنتظر انكسار القوات الجنوبية بتشفٍ صريح؛ لكونها المستفيد الأوحد من استنزافها. وهنا يبرز سؤال في غاية العجب: أليس غريبًا أن جيوش الشرعية وميليشيات أحزابها وقبائلها لم تحرر مترًا مربعًا واحدًا طيلة 12 عامًا ؟!

يُقابل الإحجام المتعمد لـ”الشرعية” عن مواجهة الحوثي تخادمٌ صريح، يقتصر فيه الأخير على استهداف أراضي المملكة ومنشآت الجنوب الحيوية كمطاري عدن والريان والمنشآت النفطية، متجنباً أي استهدافٍ فعلي لأراضي الشمال. ويتزامن هذا مع استنزافٍ شامل للقوى الجنوبية عسكرياً وسياسياً، ضمن تخادمٍ شماليٍ مزدوج يهدف لابتزاز الرياض ودفعها نحو تسويةٍ تعيد هيمنة “الهضبة الزيدية” على الجنوب تحت عباءة الوحدة. وبناءً على ذلك، لا يعدو ما تقوم به الشرعية من تحشيدٍ إعلامي عن استثمار اعتيادي للحرب وتكسباً منها كعادتها، غايته الزج بالجنوب وأبنائه في المعارك، بينما تكتفي قياداتها بإطلاق التصريحات من فنادق الرياض. ولذا، لن تتجه هذه المواجهات نحو تحرير صنعاء لاستعصاء الهدف نتيجة قيودٍ ومحددات صارمة: فميدانياً، يستلزم الغطاء الجوي إسناداً برياً تفتقر إليه “الشرعية” المسلوبة من الإرادة والعقيدة القتالية، والتي دأبت طيلة اثني عشر عاماً على تسليم جبهاتها وعتادها للحوثي. يُضاف إلى ذلك استبعاد أي توغلٍ للقوات الجنوبية في عمقٍ شمالي يمثل بيئةً معاديةً بامتياز، فضلاً عن تقاعس القوات الشمالية ذاتها ورفضها خوض معركة تحرير أرضها. أما إقليمياً، فلا تملك الشرعية قرار الحرب دون موافقة ودعم الرياض، التي تتجنب بدورها مغامرة فتح جبهتين متزامنتين، تحسباً لارتدادات أي حربٍ أمريكية ــ إسرائيلية وشيكة ضد إيران قد تضع المملكة في دائرة الاستهداف.
وعليه، لن يتجاوز سقف هذه المعارك حدود تحجيم الحوثي وتأمين الملاحة في باب المندب، توطئةً لتسويةٍ سياسيةٍ مرتقبة تنسجم مع رغبة الرياض في التفرغ لشأنها الداخلي، وتُمرِّر لدول الإقليم المجاورة بسط نفوذها على حضرموت والمهرة. وهي هندسةٌ لن تعارضها الأطراف اليمنية بشقيها الشرعي والحوثي، ما دامت تُبقي على الوحدة اليمنية قائمةً لضمان استمرار نهب الثروات الجنوبية. وبداهةً، لن تُمرَّر هذه التسويات إلا على حساب الجنوب؛ إذ لا تملك الرياض ولا “الشرعية” أي أوراقٍ تفاوضية سوى الإنجازات الميدانية الجنوبية. وما يؤكد هذه القراءة، تهرب التحالف و”الشرعية” المستمر من تحديد مستقبل الجنوب لمرحلة ما بعد الحرب، وتركه عائماً في صيغٍ إنشائية مخاتلة تكشف بجلاء أن وراء الأكمة ما وراءها. وتتعزز هذه القراءة بربط التهرب من تحديد مستقبل الجنوب، بالتدخل العنيف للطيران السعودي والعُماني الذي استهدف القوات الجنوبية في صحراء وادي حضرموت مطلع هذا العام؛ كعربون التزامٍ بخارطة الطريق المتفق عليها بين دول الإقليم و”الشرعية” والحركة الحوثية. ولإنفاذ التسوية على هذا النحو، لا مناص من فرض “الأقاليم الستة” كحلٍ للأزمة؛ إذ لا تسوية تلوح في الأفق دون كسر مشروع استعادة الدولة الجنوبية، وتقديم أراضي الجنوب ومقدراته قرباناً في سوق المقايضات اليمنية والإقليمية كشرطٍ حاكمٍ لأي اتفاق. غير أن تسويةً تُبنى على هذا الأساس المجحف ــ إن تمت ــ لن تكون سوى مُسَكِّنٍ مؤقت يؤسس لانفجاراتٍ مستقبليةٍ أعنف؛ لتجاهلها الجذور العميقة للصراع، وفي مقدمتها أزمة الوحدة اليمنية، وهو مآلٌ يتطابق مع ما ترمي إليه قوى الشمال قاطبة؛ لانسجامه مع ديدن ثقافتها السياسية التاريخية القائمة على عقلية الحروب والغنائم، عبر إبقاء الأزمات بلا حلولٍ جذرية وقابلةٍ للاشتعال في أي لحظة، كاستثمارٍ دائمٍ لا تجيد غيره من ناحية، وهروبًا من مآزقها وتصدير أزماتها الداخلية إلى الجنوب والمنطقة من ناحية ثانية.

وختاماً، لا نملك إلا الابتهال إلى الله عزّ وجل أن تُخالف حسابات البيدر تكهنات الحقل، وأن ينجلي المشهد عن واقعٍ مغاير ينسف فرضية هذا المقال من أساسها.

إغلاق