اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قراءةٌ في مقابلة عمرو البيض: حضرموت نِد وقضية لا تُختزل

قراءةٌ في مقابلة عمرو البيض: حضرموت نِد وقضية لا تُختزل

بقلم: أ. د. خالد سالم باوزير

تابعتُ بتمعن المقابلةَ الصحفية للسيد عمرو البيض، والحقُّ يُقال إننا عايشنا الأحداثَ كافّةً منذ بداياتها، ولا نريدُ اليوم تكرارَ الخوض في تفاصيلِ مَن ورّط المجلسَ الانتقالي في الدخول إلى «الهضبة»، سواء أكان «أبو علي الحضرمي» أم غيره ممن كان في هرم السلطة وراء ذلك التوريط.

إن الحقيقةَ الجليّة هي أن المملكة العربية السعودية تواصلت مع السيد عيدروس الزُّبيدي، ولو أن قيادتكم قرأت الموقفَ السعودي قراءةً صحيحةً وفاحصةً لما آلَتِ الأمورُ إلى ما آلت إليه يا سيد عمرو. وأنتم إذ تُقدِّمون أنفسكم كحلفاء للمملكة، كيف لم تتواصلوا وتُنسّقوا معها قبل الدفع بقواتكم صوبَ حضرموت؟!

الآن —وأعتقد أن الوقتَ ما زال متاحاً إن أردتم ذلك، وهو شأنٌ خاصٌّ بكم ليس من اختصاصنا— لديكم الفرصة لتقييم تجربتكم، ومراجعةِ كافّة الأخطاء التي رافقت سيطرةَ المجلس الانتقالي لأكثر من عشر سنوات على الجنوب؛ فماذا قدّمتُم للشعب من خدمات تخفّف معاناته في الجنوب وحضرموت، والسيد الزُّبيدي كان رئيساً للجنة الموارد؟

علاوةً على ما سبق، فإن الواقعَ يؤكد أن الانتقالي لا يمثّل كلَّ أبناء الجنوب؛ والمليونياتُ التي تخرج في الشوارع —كما تُروّجون— يُنشر في المواقع أنها تُحرّك بالمقابل المالي.. لكنّ حضرموت تحديداً ليست محصورةً في أتباع الانتقالي؛ فهناك شعبٌ حيٌّ في حضرموت، وقوىً سياسية، وقبائلُ، ومثقفون، وأساتذةُ جامعات، وعمالٌ، وفلاحون، ومغتربون، وليس هؤلاء جميعاً مع الانتقالي.

حضرموتُ لا بد أن تكون ندّاً واضحاً وأن تحظى بوضعها الخاص؛ فهي المحافظةُ الأكبرُ مساحةً، والأكثرُ ثروةً، والأهمُّ موقعاً وحدوداً مع دول الجوار.

نصيحةٌ نوجّهها لإخوتنا في الانتقالي: راجعوا تجربتكم بجدّية. إن أيَّ قوة تُنشَأ لا ينبغي أن تُحصَر في مناطقَ بعينها، بل يجب أن يُبنى أيُّ جيشٍ أو مؤسسةٍ أمنية على أساس منح كل محافظة نصيبَها العادل وفق مساحتها وأهميتها.

حضرموتُ هي «شوكة الميزان»، وتجاهُلُ قواها القبليّة والسياسية كارثةٌ حقيقية ومجازفةٌ صعبة. وليس من العيب اعتذارُكم للحضارم عمّا حدث، فالإيمانُ بالحوار النِّدِّي الصريح والاعترافُ بالآخر هو المحكُّ وهو الفيصل —وهذا مجردُ رأيٍ شخصيٍّ بحت.

الأمرُ الآخر، أن التحالفَ التحالفَ بقيادة المملكة العربية السعودية هو من يمسك بالملَفّ؛ وطالما أنكم تتحدثون عن الشراكة مع الحليف، فلماذا لم يتم التنسيقُ المسبق مع الحليف السعودي قبل التحرك العسكري صوب حضرموت؟

نحن لا نريد أن تُسفك أيُّ دماء، ولكن بعد أن حدث ما حدث، يظل المطلوبُ هو تقييم التجربة، وتصحيح المسار، ومحاسبة من تسبّب في الأعمال غير الإنسانية التي شهدتها حضرموت، والتي لا تخدم مكوّنكم بحال. واليوم، لم يعد الإعلامُ محتكراً، بل أضحى فضاءً مفتوحاً لكل الشعب.

وأخيراً، فإن صندوقَ الانتخابات هو الكفيلُ وحده بتقرير من يمثّل الحضارم، بشريطة إشراك المجتمعين الدولي والإقليمي للرقابة على أي انتخابات قادمة.

إن حضرموت تبحث اليوم عن تطبيق “الحكم الذاتي واسع الصلاحيات”، وهو الخيارُ الأنسبُ لأبنائها بعيداً عن إعادة إنتاج أزمات الماضي؛ وهذا هو هدفُ وغايات «مؤتمر حضرموت الجامع»، حتى ينال الحضارمُ حقوقَهم المغتصبة منذ عام 1967م، وما تلاها خلال العقود الثلاثة الماضية في ظل ما سُمِّي بدولة الوحدة.

نُهِبَ من ثروات حضرموت أكثرُ من 400 مليار دولار خلال أقل من ربع قرن، دون أن تحظى في مقابل ذلك بخدمات أساسية، أو كهرباء، أو تعليم، أو مرافق صحية، أو حتى نصيبٍ عادلٍ من المناصب العليا في الدولة، بل أُريد لها أن تظل تابعةً وذيلية! وهذا ما لن يقبله الحضارمُ مطلقاً: لن يقبلوا الضيمَ، ولا القهرَ، ولا التجاهلَ، ولا التهميشَ، ولا نهبَ الحقوق.

لقد كنّا نقول قبل الأحداث المؤسفة التي شهدتها حضرموت في ديسمبر 2025م ويناير وفبراير 2026م، إن حضرموت ستنال جزءاً من حقوقها ومطالبها في الكهرباء والمستشفيات وتشكيل القوات الحضرمية، لكننا فوجئنا بأن أُناساً هم الأقربُ معرفةً بحضرموت وبحجم ظلمها، تجاهلوها ووقفوا ضد مطالب حلف حضرموت! ناهيك عن أن المشاركة الحضرمية مفقودةٌ تماماً ومحرومٌ منها أبناؤها في مناصب الدولة الداخلية والخارجية؛ وأنت تعرف ذلك جيداً يا سيد عمرو.. على الأقل لم تحصل على نصيبها المفترض وفق أهميتها وثرواتها ومساحتها، ومساهمتها التي تُشكّل أكثر من 70% من ميزانية هذه الدولة الفاشلة.

إن الإنصافَ مطلبٌ رئيس، وحضرموت ليست مجرد محافظةٍ كبقية المحافظات، بل يجب أن تكون قائدةً وندّاً في أي مفاوضات أو محادثات قادمة.

وإذا كانت هناك “قضية جنوبية” برزت بعد عام 1994م، فإن “القضية الحضرمية” تسبقها تاريخياً؛ فهي ممتدةٌ منذ عام 1967م حين ضُمَّت حضرموت قسراً إلى دولة اليمن الجنوبية، ثم أدخِلَت دون شورى أهلها في دولة الوحدة مع الشمال.. وهذا الضمُّ والإلحاقُ نلمس نتائجه الشاخصة اليوم: عذاباً، وقهراً، وحروباً متواصلة.

الحضارمُ لا يريدون تكرارَ أخطاء الماضي؛ فقد تعبنا وهَرِمنا، وقُتِل الآلافُ من أبنائنا، وضاعت ستة عقودٍ ونصف، وسَبَقَنا الجيرانُ في التطوّر والنموّ والاستقرار، بينما نزال نحن غارقين في الصراعات والحروب إلى يومنا هذا..

الخاسرُ الأكبر هو شعبُ حضرموت في الداخل والمهجر، الذي حُرِم من كل شيء في عهد الدولتين، حتى وإن وُجِد حكامٌ ينتمون لحضرموت فيهما، لكنهم كانوا بلا تأثيرٍ يُذكر في انتزاع حقوقها.

لقد أعجبتني رؤيةُ عضو مجلس القيادة الرئاسي السابق السيد فرج البحسني حول حضرموت، وأعدُّها وثيقةً من أهم الوثائق التي تؤكد على منح حضرموت وضعاً خاصاً؛ وهي رؤيةٌ صادرة عن شخصيةٍ ركينةٍ ذات معرفةٍ دقيقة بما شهدته حضرموت طوال العقود الماضية عقب خروج بريطانيا وسقوط السلطنات الحضرمية في الساحل والوادي.
آملُ أن أكون قد أوضحتُ الفكرةَ بجليةٍ ودون تحيّز: حضرموتُ رأسٌ وليست ذيلاً.

واللهُ من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

إغلاق