سرقة المعارك واغتيال الروح بالخداع.
بقلم/م. اشرف حيمد قفزان
الاربعاء 21 اكتوبر 2026
منذ إعلان معركة فجر اليمن المفترض انطلاق عملياتها في مختلف الجبهات حتى يتم أضعاف العدو في عدة جبهات متزامنة مما يجعل الانتصار سهلا بأقل الخسائر، لكن الغريب أن المتابع على أرض الواقع يرى غير ذلك من جمود جبهات وصمود جبهات أخرى .
وفي زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتبدل المعطيات في رمشة عين لم تعد المعارك تُدار فقط في ميادين المواجهة بالسلاح والدم بل انتقلت أشرس سياطها إلى ساحاتٍ افتراضية تقتات على الوعي وتستهدف الروح. هناك حيث تُصنع الشائعات على مهل وتُفبرك المشاهد وتُنسج الأكاذيب بنسبة تجاوزت كل حدود المعقول يجد المتابع نفسه غارقاً في طوفان من الوهم الصاخب.
ليس أشد إيلاماً على النفس من أن يستيقظ المرء على نبأ انتصارٍ مُشتهى أو حقيقةٍ أُلبست ثوب الفخر ليتدفق معها أملٌ دافئ يرمم ما هدمته الأيام ثم ما يلبث أن يستفيق على صدمة الحقيقة كل ما رآه لم يكن سوى سرابٍ مصنوع ومقاطع قديمة جرى إعادة تدويرها بدمٍ بارد أو انتصارات ميدانية سُرقت جهود أصحابها الحقيقيين لِيُنسب الفضل لغير أهله.
إنها ليست مجرد حرب إعلامية عابرة بل هي استنزافٌ معنوي ناعم وممنهج يبدأ بخديعة تُبث عبر الشاشات والمنصات وينتهي بكسرٍ داخلي لا يرممه الاعتذار ولا التكذيب. عندما يُصنع اليقين الزائف بتكرارٍ احترافي يندفع المتابع بقلبه كمن ينشد النجاة ليتفاجأ بعد حين بانهيار القلاع الوهمية فيسقط من قمة الأمل إلى قاع الخيبة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية فالحروب الميدانية قد تبني أبطالها وتخلد أصحاب الدماء الزكية الذين يقاتلون بوضوح العقيدة والهدف لكن الصراعات الإعلامية المحمومة والاحتقان السياسي يحاولان دائماً طمس هذه الحقائق سرقة العرق والتضحيات وتوظيف خطابات التزييف لصالح مآرب سياسية أو إيدولوجية يعمقان الفجوة وأزمة الثقة ويولدان في النفوس حسرة لا تُنسى وحقداً تُغذيه الشكوك المتراكمة.
إن الخيبة التي تخلفها الأخبار المغلوطة لا تكسر المعنويات فحسب، بل تصنع حالة من العزوف والعدمية حالة يستوي فيها الصدق بالكذب وتصبح الحقيقة نفسها متهمة حتى تثبت برائتها. غير أن التحصن بالوعي والتمسك بالحقائق الميدانية الصلبة والتفكيك الواعي لآلات التضليل يبقى هو السلاح الأخير لحماية الأمل من الانكسار والذاكرة من السرقة.
ولكي لا نكون ضحايا لهذه المتاهة المظلمة لا بد للمتابع الحر والقارئ الباحث عن الحقيقة أن يستمسك بوعيه كدِرعٍ أخير فلا يسلم عقله لكل شائعة تُبث ولا يرهن عاطفته لمقاطع مفبركة أو مشاهد مقتطعة لتزييف الواقع وسرقة عرق الأبطال في الميدان.
إن الجهات التي تمارس التضليل والتزييف لا تحارب بالكلمة والصورة فحسب بل تستهدف روح المعنوية وتقتل الثقة في النفوس مما يستوجب الحذر والارتياب الإيجابي أمام كل نبأ يتطاير في فضاء الإنترنت. التثبت من المصادر الميدانية الموثوقة وفحص الروايات بعين الفكر لا بعين العاطفة هما السلاح الوحيد لقطع الطريق على تجار الوهم وصيانة الذاكرة والضمير من ألم الخديعة ومرارة الانكسار.
اللهم احفظ بلادنا من كل مكروه والنصر قواتنا الباسلة في حفظ أمن هذا البلد وارحم شهدائنا واجلعهم مع الانبياء والمرسلين ووفق ولاة أمرنا لما تحبه و ترضاه عنا.






