يدُ عمروٍ… لا سيفُه!بين الموهبة والأداةفي عصر الذكاء الاصطناعي
بقلم د. أحمد بن عبدالله باصهي
أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الإداري
يُروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – سمع بسيف الصحابي عمرو بن معد يكرب الزبيدي – رضي الله عنه – ، المشهور بالصمصامة، وما ذاع عنه من مضاء وحدّة، فطلب إليه أن يبعث به لينظر ما الذي يميّزه عن سائر السيوف.
فبعث عمرو بسيفه، فلما جُرّب لم يظهر فيه ما يفسّر تلك الشهرة التي طبقت الآفاق. فكان جواب الفارس، كما ترويه الحكاية، بالغ الإيجاز، عميق الدلالة:
«بعثتُ إليك بالسيف، ولم أبعث إليك بالساعد الذي يضرب به!»
وبصرف النظر عن اختلاف الروايات في تفاصيل هذه الحكاية، فإن معناها أبقى من وقائعها؛ فقد وضع عمرو يده على حقيقة إنسانية لا يطويها الزمن: أن الأداة، مهما بلغت جودتها، لا تستقل بصناعة المجد، وأن وراء كل سيف مشهور يدًا منحته من مهارتها ما لم تمنحه إياه صناعة الحديد.
تذكرتُ هذه الحكاية وأنا أستمع إلى حوار بين صديقين، كان أحدهما يعتب على الكتّاب والمثقفين، ويرى أنهم أصبحوا عالة على الذكاء الاصطناعي، يستكتبونه مقالات وخواطر تتجاوز مخزونهم الثقافي، وتفوق ما عُرف عنهم من ملكات وقدرات.
وكان محاوره نبيهًا، فلم يسارع إلى نفي التهمة، وإنما ردّ عليه بسؤال أظنه أصاب من القضية موضعًا جديرًا بالتأمل:
وهل يستطيع كل من دخل إلى منصات الذكاء الاصطناعي أن يستكتبها مقالًا بمثل تلك الجودة والعمق والجمال؟ أم أن وراء استنطاق هذه التقنية مهارةً لا يجيدها كثير ممن يستهينون بها، أو يستكثرون على غيرهم ما لم يستطيعوا بلوغه؟
وهنا عاد سيف عمرو إلى الذاكرة، ولكن في هيئة أخرى!
لقد تغير السيف، ولم تتغير بالضرورة قيمة اليد.
فالذكاء الاصطناعي اليوم أداة متاحة للملايين، يدخلون إليها من الأبواب نفسها، ويستخدمون في ظاهر الأمر الوسائل ذاتها، لكنهم لا يخرجون منها بحصيلة واحدة؛ لأن العقول التي تحاورها ليست سواء، والذائقات التي تفحص مخرجاتها ليست متساوية، والملكات التي تقودها إلى المقاصد ليست على درجة واحدة من النضج والتمكن.
فقد تتساوى الأيدي فيما تمتلك من أدوات، لكنها لا تتساوى فيما تمتلك من ملكات.
إن استكتاب الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سؤال يُلقى في فضاء رقمي، ثم انتظار جواب يُنسخ ويُنشر. فتلك ممارسة يستطيعها كثيرون، ولكنها ليست بالضرورة ما يصنع نصًا أصيلًا ذا قيمة.
أما الاستكتاب الواعي، فهو تطارح فكري، ومحاورة معرفية، وممارسة نقدية مركّبة، تبدأ قبل أن تُكتب العبارة الأولى، ولا تنتهي بمجرد ظهور الإجابة على الشاشة.
إنه يتطلب تحديد الفكرة، واستحضار سياقها، وإدراك أبعادها، والتمييز بين ما يخدمها وما يصرفها عن مقصدها، ثم الترجيح بين الأساليب والعبارات، وردّ الجزئيات إلى كلياتها، والخاص إلى العام حيث يقتضي النظر، وتخصيص العام وتقييد المطلق حيث يستوجب المعنى، فضلًا عن فحص الاستدلال، وتقويم البناء، وتنقية اللغة من الحشو والتكلف.
وهي مهارات لا يمنحها مجرد الاشتراك في منصة، ولا يكتسبها المرء بمجرد ارتياد الإنترنت، بل تنمو بالقراءة والبحث والتجربة، وتتعمق بالتفكير النقدي، وتتوجها ذائقة تعرف مواطن الجمال كما تعرف مواضع الخلل.
ولذلك فقد ينتج شخصان باستخدام التقنية نفسها نصين متباعدين في المستوى؛ أحدهما يكتفي بأول ما تقذفه إليه الآلة، والآخر يظل يحاورها، ويعترض، ويستدرك، ويحذف، ويضيف، ويوازن بين لفظ ولفظ، ومعنى ومعنى، حتى تستوي الفكرة على الصورة التي أرادها.
وما أبعد المسافة بين من يطلب من الآلة أن تفكر بدلًا عنه، ومن يستعين بها ليُحسن التعبير عما فكّر فيه!
وليس هذا القول تزكيةً مطلقة لكل ما يُنشر بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ولا إنكارًا لما قد تفضي إليه هذه التقنية من استسهال الكتابة، أو انتحال المعرفة، أو ادعاء ملكات لا يمتلكها أصحابها.
فهناك، بلا ريب، من يتخذها ستارًا لفقره المعرفي، كما أن هناك من يجعلها امتدادًا لثقافته، ووسيلةً لتوسيع أفقه، وصقل عبارته، واختبار أفكاره.
وليس كل ما يكتبه الذكاء الاصطناعي إبداعًا لمن طلبه، كما أن ليس كل ما يُكتب بمساعدته خاليًا من إبداع صاحبه.
والفارق بين الحالين لا يُدرك بمجرد النظر إلى الأداة، بل بالنظر إلى مقدار الإسهام الإنساني في ابتكار الفكرة، وتوجيه المعالجة، وفحص النتائج، وصناعة المعنى، مع حفظ الأمانة في نسبة العمل إلى صاحبه.
ومن هنا، فإن مشروعية العلاقة بهذه التقنية، والحكم على أصالة ما يُنتج بمساعدتها، لا ينبغي أن يُتركا لانطباعات عابرة، ولا لأحكام من كان في ردهات الثقافة ورواقاتها نزيل الأمس أو زائر اليوم.
إنها قضية تستحق من أهل الفكر والبحث نظرًا يتجاوز الأحكام المتعجلة، فلا يُجرَّد الكاتب من فضله لمجرد استعانته بأداة، ولا يُمنح فضل الإبداع لمجرد أنه أحسن إصدار الأوامر إليها.
ولعل في تاريخ الأدب من صور الوشاية والخصومة والحسد ما يذكّرنا بأن الإبداع لم يسلم يومًا من ألسنة المتربصين، وأن النفوس البشرية لم تخلُ من طبائعها القديمة، وإن تغيرت المجالس والمنابر.
وقد كان الجاحظ، بما عُرف عنه من براعة في تصوير الطبائع الإنسانية، قادرًا على أن يجعل من البخل وسائر السلوكيات مادةً أدبية تكشف تناقضات النفس، وتفضح ما تختبئ وراءه من أعذار وحيل.
غير أن الإنصاف يقتضي ألا نضع كل ناقد في خانة الحاسدين، ولا كل متهم في منزلة المظلومين؛ فالنقد الموضوعي ضرورة لحماية الأمانة الفكرية، أما الوشاية التي تستبدل فحص النص بالطعن في صاحبه، فشيء آخر.
ولعل أعجب ما في بعض هذه الخصومات أن صاحبها ينشغل بالسؤال: من كتب لك؟ قبل أن يسأل: ماذا كتبت؟ وما قيمة ما أضفته؟ وما مقدار ما تحملته من مسؤولية فكرية عما نشرت؟
وهكذا تنتقل الخصومة أحيانًا من نقد الأفكار إلى محاكمة الوسائل، ومن مناقشة المعاني إلى التشكيك في الأيدي التي حملتها.
ولست أدري لماذا يُستكثر على صاحب الفكرة أن يستعين بما يعينه على إخراجها في أبهى صورة، ما دام حاضر العقل، يقظ الذائقة، أمينًا في نسبة ما أنجزه، مسؤولًا عما يضعه بين أيدي الناس.
فالفكرة قد تولد في خاطر صاحبها ومضةً عابرة، ثم لا تزال تنمو في وجدانه، وتتسع في عقله، وتتشعب أمامه مسالكها، حتى تصبح مشروع نص ينتظر من يحسن سبكه.
وقد يكون صاحبها أقدر الناس على إدراك قيمتها، وأشدهم حرصًا على ألا تخرج إلى الناس مبتورة المعنى، ركيكة العبارة، مضطربة البناء.
فيعيد قراءتها، ويختبر ألفاظها، ويستبقي منها ما يأنس إليه، ويستبعد ما ينبو عن ذائقته، وربما أعجبته عبارة فكرر قراءتها على مهل، لا لأنه يجهل معناها، بل لأنه يستشعر فيها جمالًا لا تكشفه القراءة العابرة.
فليست الذائقة الأدبية مجرد قدرة على الاستمتاع بالنص، بل هي أيضًا قدرة على الاختيار، والتمييز، والتهذيب، وإدراك ما يستحق أن يبقى.
وقد لا يكون أصعب ما في الكتابة أن تجد عبارة، بل أن تعرف أي العبارات أحق بأن تُقال، وأيها أجدر بأن تُحذف.
وهنا تظهر قيمة اليد التي تمسك بالسيف، لا بوصفها بديلًا عن السيف، بل بوصفها العقل الذي يوجهه، والخبرة التي تحسن استخدامه، والبصيرة التي تعرف متى تضرب ومتى تكف.
وحسبُ صاحب الفكرة التليدة، بما تنطوي عليه من طرافة وجِدّة، أنه احتضنها ودافع عنها، وأعمل فيها فكره وذائقته، وأبى أن يدفع بها إلى قرائه حتى تخرج بهية الطلعة، قشيبة الملبس، عميقة الأثر.
فإذا اطمأن إلى تمامها، أطلقها في فضاءات المنصات الزاجلة، ونام ملء جفونه، تاركًا للناس أن يقرؤوا ويتأملوا، وأن يختلفوا حولها ما شاء لهم الاختلاف.
ولعله يستعير من أبي الطيب المتنبي قوله:
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها
ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ
أما الذين لا يزالون يتفحصون السيف، ويختلفون في حدّه ومضائه، فلعلهم يحتاجون إلى استحضار جواب الفارس العربي قبل أن يصدروا أحكامهم.
فليس كل من امتلك الصمصامة أصبح عمرو بن معد يكرب.
وليس كل من استكتب الذكاء الاصطناعي أصبح كاتبًا.
وستبقى المسألة، مهما تبدلت الأدوات وتطورت التقنيات، مسألة يد عمرو… لا سيفه!






